للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

فإن الحقيقة فيها متعذرة بالأدلة القطعية عقلًا ونقلًا على طريق أهل السُّنة، فهل يُقال حينئذٍ: يجب الحمل على المجاز بمجرد التعذر؟ أوْ لا؛ لاحتمال إرادة ما يليق مما لا نعرفه مُعَيَّنًا؟ طريقتان:

طريقة السلف الثانية مع اعتقاد التنزيه، خِلافًا لِمَا ينسبه المبتدعة لهم مِن الإجراء على الظاهر.

وطريقة مَن بَعْدهم هي الأَوْلى الآن؛ محافظةً على التنزيه ونَفْي التوهُّم. فالفريقان متفقان على التنزيه.

بل أقول: الواجب في هذا الزمان العمل بطريق التأويل (١)، لِمَا سلكه المبتدعة مِن الحلول والاتحاد ومِن الجهة والتجسيم وتسمية مَن لم يعتقد ذلك "مُعَطِّلًا" والدعاء لهذه البدعة العوام؛ لضعف عقولهم عن إدراك حقائق التوحيد ودقائق الشرع. وقد بينتُ في مقدمة كتابي المُسمى بـ "تحقيق القول بالصمات عن مشكلات الصفات" وجوهًا مِن الترجيح:

منها: ما نقلناه عن أبي حنيفة مِن وجوب الحمل على المجاز بمجرد تَعذُّر الحقيقة وقوة ما تمسك به؛ لأن خطاب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو باللسان العربي، ووجدنا العرب تستعمل مثل ذلك في هذه المعاني التي يُؤَوَّل بها المُشْكل مجازًا، فنكاد أنْ نَقطع بأنَّ ذلك هو المراد.

ومنها: أنَّ سلوك التأويل يدفع تَوهُّم ما هو محُال والضرر العظيم الحاصل مِن عوامِّهم لعوامّ آخَرين.

وعدمُ تَعرُّض الأوَّلين لذلك إنما كان لخلو زمانهم عن مثل هذا الفساد، وربما نَهوا عن الاشتغال بعلم الكلام كما يُروى ذلك عن الإمام الشافعي وغيره - رضي الله عنه - خشيةً من


(١) هذا يخالف منهج السلف الصالح وما عليه أهل السُّنة والجماعة، وتم بيان ذلك في مُقدمتي لهذا الكتاب.

<<  <  ج: ص:  >  >>