أما إذا تعذرت الحقيقة؛ للاستحالة وأمكن المجاز، فيُعدَل إليه قطعًا.
الرابع:
إذا استحالت الحقيقة، لا يتعين كَوْن المجاز معتمَدًا بمجرد ذلك، بل لا بُد من دليل للحمل على أن المتكلم أراده. وخالف أبو حنيفة فقال: يتعين حملُ اللفظ على المجاز بمجرد تَعذُّر الحقيقة؛ تصحيحًا للكلام حيث ما أَمكن.
وانبنى على هذا الخلاف ما لو قال لغلامه الذي هو أسن منه:(هذا ابني)، فعنده يتعين حمله على المجاز، أي: مِثل ابني في الحرية؛ فيُعتق.
وعندنا يُلغَى لفظه؛ لِتعذُّره، ولا يُعتق، فقد يقصد المتكلم مجازًا آخَر، أي: مثل ابني في الحنو، أو نحو ذلك.
ولو قال:(أوصيت له بنصيب ابني) فوجهان:
أصحهما عند العراقيين والبغوي: بُطلان الوصية؛ لورودها على حق الغير، وعزاه الرافعي لأبي حنيفة، وهو مُشْكل على أصله.
والثاني وبه قال مالك: يصح وكأنه قال: (مثل نصيب ابني)؛ لكثرة استعمال مِثل ذلك، وصححه الإمام والروياني وغيرهما.
ويجريان فيما لو قال:(بعتُ عبدي بما باع به فلان فرسه) وهُما يَعْلمان قَدْره ولم يكن ذلك بعينه، انتقل إلى مِلك المشتري، ونحو ذلك.
واعْلَم أن الفرق بين هذه المسألة وبين ما سبق مِن أن "الحقيقة إذا تَعذرت، يُعدَل للمجاز" أنَّ ذلك في الاستعمال، وهذه في الحمل.
قلتُ: ومِن هنا نشأ كلام العلماء في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات المشكلة،