تقليده، بل لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة؛ إذْ مَن يقول:(يقلَّدون) يقول: (إذا تحقق ثبوت مذهبه)، ومَن يمنع فذلك عند عدم تَحقُّقه.
نعم، في "أوسط" ابن برهان ما يحقق الاختلاف مِن وَجْه آخَر، فإنه بنى تقليد الصحابة على جواز الانتقال في المذاهب، فمَن منعه، منع تقليدهم، لأنَّ فتاويهم لا يقْدر على استحضارها في كل واقعة.
وما قاله حسن.
وقولي:(وَالشَّافِعِيْ وَإنْ يَكُنْ قَدْ وَافَقَا) إلى آخِره - جواب عن سؤال مقدَّر، وهو أنه قد تَقرر أنَّ مذهب الشافعي الجديد أو الأرجح مِن أقواله في الجديد أن قول الصحابي غير حُجة وأنه لا يجوز للمجتهد أنْ يقلد المجتهد منهم، فكيف ذكر الشافعي في مواضع ما يخالف الأمرين؟
فمِن ذلك اتِّباعه لزيد بن ثابت - رضي الله عنه - في الفرائض عند اختلاف الصحابة - رضي الله عنه -، حتى أنه يتردد إذا ترددت الرواية عن زيد، وقال:(قُلْتُه؛ تقليدًا لزيد، وعنه قَبلْنا أكثر الفرائض).
وجواب ذلك أن أصحابه اختلفوا في قوله هذا، فمنهم مَن قال: إنه أراد أنه وافق اجتهادُه اجتهادَه، فليس اتِّباعه في ذلك لكون قوله حجة ولا أنه قلَّده؛ لأنَّ مِن مذهبه امتناع الأمرين؛ ولهذا قال المزني في أول "مختصره": (مع [إعلامِه] (١) نَهْي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره؛ لينظر فيه لِدِينه، ويحتاط لنفسه) (٢).
فمعنى قوله:(قبلنا أكثر الفرائض) أي: التي لا نَص فيه ولا إجماع، موافَقةً له في الاجتهاد؛ لأنَّ المجتهد ينظر في أقوال غيره من المجتهدين وفي حججهم، ثم يَقْبَل منها ما
(١) كذا في (ص، ش)، لكن في (ق، س، ت، ض): اعلامية. (٢) مختصر المزني (ص ٧)، ط: دار الكتب العلمية.