عالمًا بالكتاب والسنة والآثار وأقاويل الناس ولسان العرب). ثم قال بعد ذلك:(فأما أنْ يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بَعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)(١). انتهى
قال: (فأطلق اسم "التقليد" على الرجوع إلى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو حُجة قطعًا، وكذلك قوله في تقليد الصحابي لاسيما مع ما تكرر من قوله في غير موضع من النهي عن التقليد والمنع منه) (٢). انتهى
أما تقليد العوام لواحد من الصحابة ففيه خلاف حكاه إمام الحرمين، وقال:(إن المحققين على الامتناع)(٣).
وليس هذا لأنهم دُون المجتهدين غير الصحابة، فَهُم أَجَلّ قَدْرًا، بل لأنَّ مذاهبهم لا يُوثَق بها، فإنها لم تثبت حق الثبوت كما ثبتت مذاهب الأئمة الذين لهم أتْباع.
وبهذا جزم ابن الصلاح في كتاب "الفتيا"، وزاد أنه لا يُقَلَّد التابعون أيضًا ولا غيرهم ممن لم يُدَوَّن مذهبهم، وإنَّ التقليد يتعيَّن للأئمة الأربعة دُون غيرهم؛ لأنَّ مذاهبهم قد انتشرت وانبسطت حتى ظهر منها تقييد مطلقها وتخصيص عامِّها. وأما غيرهم فنُقلت عنه الفتاوى مجردة، فَلَعَلَّ لها مكملًا أو مقيدًا أو مخصصًا لو انبسط كلام قائله، لَظَهر خلاف ما يبدو منه، بخلاف هؤلاء الأربعة، فامتناع التقليد إذَن لِتَعَذُّر نَقْل حقيقة مذاهبهم.
وذهب غيرهم إلى أنهم يقلَّدون؛ لأنهم قد نالوا رُتبة الاجتهاد، وهُم بالصحبة يزدادون رفعة.
قال بعض المتأخرين: هذا هو الصحيح، لكن الشرط أن يتحقق ثبوت مذهب مَن يُراد
(١) مختصر المزني (ص ٣٩٣)، طبعة: دار الكتب العلمية. (٢) هذا كلام العلائي في كتابه "إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، ص ٤٤". (٣) البرهان (٢/ ٧٤٤).