وهذه الرواية في "البخاري" في "باب الجنائز" بلفظ: "لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها"(١).
وقد قال ابن فورك: لا معنى لتوهين الحديث؛ لأنه قد صح، وليس بمستنكَر استغفاره - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنها لا تستحيل عقلًا، والإجابة ممكنة، ولو خُلِّينا وظاهر الآية لكان الزائد على السبعين يقتضي الغفران، لكن نزل بعده:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا}[التوبة: ٨٤]، فَدَلَّ ذلك على زوال حُكم المفهوم " فإن صلاته - صلى الله عليه وسلم - توجِب المغفرة؛ ولهذا امتنع مِن الصلاة على المدين.
وتَلَطَّف ابن المنير فقال: لَعلَّ القصد بالاستغفار التخفيف، كما في الدعاء به لأبي طالب، وقوله: " لأزيدن على السبعين" أي: أفعل ذلك لأُثاب على الاستغفار، فإنه عبادة.
الثانى:
قال الشيخ تقي الدين السبكي: (التحقيق عندي أن الخلاف في مفهوم العدد إنما هو عند ذِكر نفس العدد، أما المعدود فلا يكون مفهومه حُجة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان" (٢)، فلا يكون فيه [عدم تحريم](٣) ميتة ثالثة) (٤).
ثم ذكر تمثيل الأصوليين بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بلغ الماء قُلتين"، ولم يرتضه، لأنه ليس فيه ذِكر عدد، واعتل بأنَّ العدد يشبه الصفة، والمعدود يشبه اللقب، فما ذكره إنْ لم يكن تنقيح مناط
(١) صحيح البخاري (رقم: ١٣٠٠). (٢) مسند أحمد (٥٧٢٣)، سنن ابن ماجه (رقم: ٣٣١٤)، السنن الكبرى للبيهقي (١١٢٨) وغيرها. قال الألباني: صحيح. (صحيح ابن ماجه: ٢٦٩٥). (٣) في (ش): (تحريم). وفي هامش (ز): (كذا في شرح منهاج البيضاوي .. وصوابه: عدم حل ميتة ثالثة). (٤) الإبهاج في شرح المنهاج (١/ ٣٨٢).