خَلْقَه إلى صبيحة تلك الليلة، عند طلوع الشمس والقمر مِنْ مَغْربهما، ولم يَتُبْ عبد من عباد الله - تعالى - توبةً نَصُوحًا منذ يوم خلق الله - تعالى - آدم [إلى](١) ذلك اليوم إلا ولَجَتْ تلك التَّوبة في ذلك الباب، ثم تُرفَع إلى الله - تعالى -»
فقال معاذ بن جبل ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وما التوبة النصوح؟
قال:«أَنْ يَندَمَ المُذنب على الذَّنْب الذي أصاب، فيَعْتَذِر إلى الله - تعالى -، ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللَّبَنُ إِلى الضَّرْع».
قال: «فيُغْرِبُهما (٢) في ذلك الباب، ثم يَرُدُّ المِصْراعَيْن، فيلتئم بينهما، ويصيران مُبْهَمًا كأَنْ لم يَكُنْ بينهما صَدْعٌ قط، فإذا أُغْلِقَ بابُ التَّوْبَة لم يُقْبَلْ للعبد بعد ذلك توبة، ولم تَنْفَعْه حسنةٌ يَعْمَلُها في الإسلام إلا من كان قبل ذلك محسنًا، فإنَّه يجري له وعليه ما كان يجري من قبل ذلك، فذلك قول الله ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]».
فقال أبيّ بن كعب ﵁: أنا يا رسول الله وأهلي فداؤك، فكيف بالشمس والقمر يومئذ وفيما بعد ذلك؟ وكيف بالناس والدُّنيا؟
فقال:«يا أُبَيُّ، إِنَّ الشَّمس والقمر يَكْسِبان بعد ذلك الضَّوْء والنُّور، ويَطْلُعان على النَّاسِ ويَغْرُبان كما كانا قبل ذلك، فأمَّا النَّاس فإنَّهم إذا ما رَأَوْا من فظاعة تلك الآية وهَوْلِها وعِظَمِها، فإنَّهم يُقْبِلون على الدُّنيا، حتى يَجُرُّوا فيها الأنهار، ويَغْرِسوا النَّبت، ويَبْنُوا البنيان، وأمَّا الدُّنيا فلو نَتَجَ رجلٌ مُهْرًا لم يَرْكَبه حتى تقوم الساعةُ منذ تطلع الشمس من مغربها إلى يومِ يُنْفَخ في الصور».
قال حذيفة ﵁: يا نبي الله، جعلني الله - تعالى - فداءك، فكيف بهم عند النفخة في الصور؟
(١) تصحفت في المخطوط بـ (هي)، والتصويب من مصادر التخريج. (٢) في مصادر التخريج: «فيغربهما جبريل ﵇».