وعِلْمِكَ في جَنْبِ عِلْم الله - تعالى - كقَدْرِ ما أخذ هذا العصفور (١) من هذا البحر، وهذا مِثْل قوله ﵇:«إِنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تمَلُّوا»(٢) أي: لا يمَلُّ الله أصلًا، وأنتم تمَلُّون.
فأما ألفاظ القرآن التي في الحديث فلم يَضْبِطُوها كما يجب، إلا أنَّ أبا أحمدَ العَسَّالَ (٣) ذكر أنه وجد عند الحميدي عن سفيان (رَشَدًا) بفتح الراء
(١) ش: ٦٥/ ب. (٢) هو طرف من حديث عائشة ﵂ قالت: كان لرسول الله ﷺ حصير، وكان يُحَجِّرُه من اللَّيلِ فيُصلِّي فيه، فجعل النَّاسُ يُصَلُّون بصلاته، ويَبْسُطه بالنهار، فثابوا ذات ليلة، فقال: «يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تُطيقون، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دُووِمَ عليه وإِنْ قَلَّ وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملًا أثبتوه. أخرجه البخاري (٤٣) ومسلم (٢١٥) (٧٨٢) واللفظ لمسلم، قال الحميدي في تفسير غريب ما في الصحيحين ص ٥١١: «لا يمل حتى تملوا فيه ثلاثة أقوال، أحدها: إن الله لا يمل أبدًا ملِلْتُم أو لم تمَلُّوا، فجرى هذا مَجْرى قول العرب: حتى يشيب الغراب، ويبيض الفأر، والثاني: إنه لا يَطْرَحُكم حتى تتركوا العمل وتَزْهَدوا في الرغبة إليه، وسمَّى الفِعْلَين مللًا وليس بملل على الحقيقة، على مذهب العرب في وضع الفعل موضع الفعل إذا وافق معناه، والثالث - وهو الذي اختاره ابن الأنباري -: أن يكون المعنى فإن الله لا يقطع عنكم فَضْلَه حتى تملوا سؤاله، فسمَّى فِعْلَ الله مللًا وليس بملل، وهو في التأويل على جهة الازدواج، وهو أن تكون إحدى اللفظتين موافقة للأخرى وإن خالفت معناها، كما قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] معناه: فجازُوه على اعتدائه، فسَمَّاه اعتداء وهو عَدْلٌ لتَزْدَوِجَ اللّفظةُ الثانية مع الأولى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وهذا كثير». (٣) هو محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد، أبو أحمد الأصبهاني المعروف بالعسال، الإمام الحافظ، قاضي أصبهان وعالمها، سمع من أبي مسلم الكجي، وأبي بكر بن أبي عاصم، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة وغيرهم، وحدث عنه: ابن عدي، وابن مردويه، وابن منده، وغيرهم، كان من كبار الحفاظ، قال ابن منده: كتبت عن ألف شيخ لم أر فيهم أتقن من أبي أحمد العسال، ومن تصانيفه: «تفسير القرآن»، و «كتاب التاريخ، و كتاب السنة»، و «كتاب الآيات وكرامات الأولياء»، و «أحاديث مالك»، وغيرها، توفي سنة تسع وأربعين وثلاث مئة، وأفرد الحافظ