للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قال: (وَالشَّافِعُ مُكَرَّمٌ بِالشَّفَاعَةِ): فالمقصود من منح الشفاعة للشافع: أن يُكرَّم وأن يظهر فضله.

وعلى هذا فإنه لا حرج في زمن النَّبي أن يقول قائلٌ للنَّبي : (يا رسول الله، اشفع لي عند ربِّك)، مثل ما يقول: (يا رسول الله، استغفر لي عند ربِّك)؛ وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، لأن هذه شفاعة، وكما أن المؤمنين إذا اصطفُّوا للصلاة على الجنازة فإنهم يشفعون للميت، بالدعاء له، فهذه شفاعةٌ شرعية، لكن لا يحلُّ أن يُخاطب ميتٌ، أو غائبٌ ويقال له: اشفع لنا عند ربِّك؛ بل لا يحلُّ أن يُقال للنَّبي وهو في قبره: يا رسول الله، اشفع لنا عند ربِّك. هذا دعاءٌ بدعي شركي، وإنما يُطلب ذلك منه في حياته ، وكذلك يُطلب منه في عرصات القيامة؛ ويملكه بما ملَّكه الله تعالى إيَّاه، أمَّا في حال الموت أو الغياب فإن هذا لا يصح.

والشيخ يسوق هذا الكلام لمشركي زمانه الذين صاروا يهيمون بالقِباب والقبور، ويدعونها من دون الله، ويزعمون أنهم بذلك يطلبون الشفاعة فكأنما يقول لهم: لا فرق بينكم وبين المشركين الأوائل، فكما أنكر الله تعالى على أوائلكم مقالتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ومقالتهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فكذلك ننكر عليكم صنيعكم.

<<  <   >  >>