لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ قَلِيلٍ؛ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ …
فَمَا إِنْ سَمِعَ بِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى بَادَرَ إِلَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدَيْهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
ثُمَّ مَضَى إِلَى مَجَالِسِ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَأَعْلَنَ إِسْلَامَهُ عَلَى مَلَإٍ (١) مِنَ الْقَوْمِ …
فَكَانَ سَابِعَ سَبْعَةٍ أَعْلَنُوا إِسْلَامَهُمْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ.
* * *
لَمْ يَكُنِ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو حِينَ تَوَجَّهَ إِلَى مَجَالِسِ قُرَيْشٍ لِيُعْلِنَ دُخُولَهُ فِي دِينِ اللَّهِ جِهَارًا نَهَارًا؛ يَجْهَلُ وَقْعَ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا سَيُنْزِلُونَهُ بِهِ مِنَ الْأَذَى وَالنَّكَالِ …
لَكِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ دَعْوَةً كَدَعْوَةِ الْإِسْلَامِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ قَرَابِينَ (٢)؛ فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَحَدَ شُهَدَائِهَا وَضَحَايَاهَا.
صَبَّتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ بَطْشِهَا وَنَكَالِهَا مَا يُزَلْزِلُ الْجِبَالَ … فَلَمْ يَتَزَعْزَعْ، وَلَمْ يَتَضَعْضَعْ …
وَمَا كَانَ يَزِيدُهُ الْعَذَابُ إِلَّا صَلَابَةً فِي دِينِهِ، وَرُسُوخًا فِي إِيمَانِهِ وَيَقِينِهِ.
وَلَمَّا أَذِنَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ أَبَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو أَنْ يُغَادِرَ سِجْنَهَا الْكَبِيرَ …
(١) مَلَإٍ مِنَ الْقَوْمِ: جموع من الناس.(٢) القَرَابِين: جمع قربان؛ وهو ما تَقَرَّبتَ به إلى الله ﷿، والمقصود: الضحايا.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute