ثُمَّ مَا لَبِثْتُ أَنْ رَكِبَنِي الْهَمُّ وَالْبَثُّ (١) لِمَا صَنَعْتُ، وَقَدْ زَادَنِي هَمًّا أَنَّنِي كُنتُ إِذَا خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِي وَطُفْتُ فِي النَّاسِ؛ لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مُتَّهَمًا بِنِفَاقٍ …
أَوْ عَاجِزًا عَذَرَهُ اللهُ لِعَجْزِهِ.
* * *
وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ؛ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:
(مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ)؟!.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ:
إِنَّمَا حَبَسَهُ بُرْدَاهُ (٢) الزَّاهِيَانِ … وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ (٣).
فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (٤):
بِئْسَ مَا قُلْتَ! وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا.
فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﵊، وَلَمْ يُضِفْ شَيْئًا.
* * *
ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ تَوَجَّهَ قَافِلًا (٥) إِلَى الْمَدِينَةِ؛ فَرَكِبَنِي هَمِّي … وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ:
بِمَاذَا أَعْتَذِرُ لَهُ وَأَخْرُجُ مِنْ سُخْطِهِ (٦) غَدًا؟.
وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي؛ فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُمْ شَيْئًا.
وَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ الرَّسُولَ ﵊؛ قَدْ أَطَلَّ قَادِمًا …
(١) الْبَثّ: الحزن العظيم.
(٢) البُرْد: الثوب.
(٣) نَظَرُهُ في عِطْفِه: إعجابهُ بنفسه.
(٤) مُعَاذُ بْنُ جَبَل: انظره في الكتاب السابع من "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.
(٥) تَوَجَّهَ قَافِلًا: توجه راجعًا.
(٦) السُّخْط: الغضب.