أَقْصَى مَا يَطْمَحُ إِلَيْهِ مِنَ السَّلَامِ وَالْأَمْنِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِهَذِهِ الْحِمَايَة …
فَقَدْ كَانَ يُنَغِّصُ (١) عَلَيْهِ حَيَاتَهُ الْوَادِعَةَ الْآمِنَةَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ يَلْقَى مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ مَا يَلْقَاهُ، وَأَنَّ إِخْوَتَهُ فِي اللهِ يُعَانُونَ مِنْ بَطْشِهِمْ (٢) مَا يُعَانُونَ …
مِمَّا جَعَلَهُ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ بِالْأَثَرَةِ (٣) وَالْجُبْنِ، وَضَعْفِ الْإِيمَانِ …
وَيَتَقَلَّبُ عَلَى نَارٍ هَادِئَةٍ مِنْ تَعْذِيبِ الضَّمِيرِ.
* * *
فَلْنَتْرُكُ لِعُثْمَانَ بْن مَظْعُونٍ الْحَدِيثَ عَنْ أَزْمَتِهِ النَّفْسِيَّةِ هَذِهِ؛ حَيْثُ قَالَ:
لَمَّا رَأَيْتُ مَا فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْبَلَاءِ، وَأَنَا أَغْدُو وَأَرُوحُ فِي أَمَانٍ مِنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ؛ قُلْتُ فِي نَفْسِي:
تَبًّا لَكَ يَا بْنَ مَظْعُونٍ …
إِنَّكَ تَعِيشُ آمِنًا مُطْمَئِنًّا فِي جِوَارِ رَجُلٍ مُشْرِكٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَلْقَوْنَ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْأَذَى فِي اللهِ مَا لَا يُصِيبُكَ …
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَنَقْصًا كَبِيرًا فِي نَفْسِكَ وَضَعْفًا خَطِيرًا فِي إِيمَانِكَ …
ثُمَّ مَشَيْتُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقُلْتُ لَهُ:
يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ؛ لَقَدْ وَفَّيْتَ لِي بِذِمَّتِكَ (٤)، وَلَقِيتُ فِي حِمَاكَ السَّلَامَةَ وَالْأَمْنَ …
(١) يُنَغّص: يكدر.(٢) بطشهم: فتكهم.(٣) الأثرة: اختصاص المرء نفسه بأحسن الشيء دون غيره.(٤) وَفَّيْتَ لي بذمتك: أَدَّيْتَ حَقِّي مِنَ الْوَفَاءِ بِعَهْدِكَ مَعِي.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute