لَا تَفْعَلْ أَيُّهَا الْأَمِيرُ؛ فَالْمَسَافَةُ بَيْنَ "قَرَاقِرَ" وَ"سِوَى" لَا تُقْطَعُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِ لَيَالٍ …
وَهْيَ مَفَازَةٌ لَا مَاءَ فِيهَا، وَلَا مَسَالِكَ …
وَإِنَّ اجْتِيَازَهَا عَلَى الرَّاكِبِ الْفَرْدِ يَكَادُ يَكُونُ مُحَالًا؛ فَكَيْفَ بِهَذَا الْجَيْشِ الْكَبِيرِ؟! … فَلَا تُعَرِّضْ نَفْسَكَ وَنُفُوسَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْهَلَاكِ.
فَقَالَ خَالِدٌ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا يَخْتَلِفَنَّ هَدْيُكُمْ (١)، وَلَا يَضْعُفَنَّ يَقِينُكُمْ … وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمَعُونَةَ مِنَ اللَّهِ تَأْتِي عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ …
وَأَنَّ الْأَجْرَ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ …
وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْبَغِي (٢) أَنْ يُبَالِيَ بِشَيْءٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُ مَعُونَةَ رَبِّهِ …
ثُمَّ إِنَّ رَافِعَ بْنَ عُمَيْرٍ مَعَنَا، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ يَجْهَلُ رَافِعَ ابْنَ الصَّحْرَاءِ.
ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ! لَا بُدَّ مِنْ هَذَا؛ فَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى إِنْفَاذِ أَمْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولٍ اللَّهِ ﷺ، وَاسْتِنْقَاذِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ مِنْ بَرَاثِنِ الرُّومِ.
فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنِ اسْتَجَابُوا لَهُ طَائِعِينَ؛ وَقَالُوا:
أَنْتَ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ الْخَيْرَ؛ فَافْعَلْ مَا بَدَا لَكَ.
فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا …
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى رَافِعٍ، وَقَالَ: افْعَلْ مَا بَدَا لَكَ يَا رَافِعُ.
فَقَالَ رَافِعٌ: ائْتِنِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ بِعِشْرِينَ نَاقَةً عِظَامًا سِمَانًا مَسَانَّ (٣).
فَأُتِيَ لَهُ بِهِنَّ …
(١) هديكم: رشادكم وطريقتكم وسيرتكم.
(٢) يَنْبَغِي: يجوز.
(٣) مَسَانَّ: مفردها مُسِنّ؛ الكبير السن.