فَجَعَلُوا يَخْرُجُونَ إِلَىَّ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ …
حَتَّى بَلَغْنَا نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا.
وَكَانَ أَوَّلَ هَؤُلَاءِ خُرُوجًا إِلَيَّ: أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنُ عَمْرٍو.
فَجَعَلْنَا نَقْطَعُ طَرِيقَ التِّجَارَةِ عَلَى قُرَيْشٍ.
فَلَا نَظْفَرُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَتَلْنَاهُ …
وَلَا تَمُرُّ بِنَا عِيرٌ لَهَا إِلَّا أَخَذْنَاهَا.
وَقَدِ اشْتَدَّ سَاعِدُنَا (١) وَقَوِيَتْ شَوْكَتُنَا، وَغَدَوْنَا فِي حُلُوقِ قُرَيْشٍ؛ نُقِضُّ مَضَاجِعَهَا، وَنَبْثُّ الذُّعْرَ فِي قَوَافِلِيهَا … حَتَّى ضَاقَتْ بِنَا ذَرْعًا (٢) وَأَعْيَتْهَا الْحِيَلُ في أَمْرِنَا …
فَكَتَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْأَلُهُ بِأَرْحَامِهَا (٣) أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَيْهِ، وَتُعْلِنُ لَهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَنْ شَرْطِهَا الْمُتَعَلِّقِ بِنَا.
* * *
قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ صَاحِبُ أَبِي بَصِيرٍ:
وَفِيمَا نَحْنُ كَذَلِكَ … وَصَلَنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَا فِيهِ إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَخِي أَبُو بَصِيرٍ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ …
فَأَعْطَيْتُهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَهُ إِلَى شَفَتَيْهِ وَقَبَّلَهُ …
ثُمَّ فَاضَتْ رُوحُهُ وَهْوَ يَقُولُ:
اقْرَئُوا عَنِّي السَّلَامَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(١) اشتد ساعدنا وقويت شوكتنا: كناية عن زيادة قوتهم.
(٢) ضاقت بنا ذرعا: لم تستطع الصبر علينا وأصابها منا الضيق.
(٣) تَسْأَلَهُ بِأَرْحَامِهَا: تسأله متوسِّلةً إليه بما بينها وبينه من صلة رَحِمْ.