فَلَمَّا فَضَّ (١) الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ كِتَابَ خَالِدٍ، وَوَقَفَ عَلَى مَا فِيهِ؛ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ:
إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ يَطْلُبُ مِنَّا مَدَدًا؛ فَأَمِدُّوهُ بِالْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو.
فَفَغَرَ (٢) الْحَاضِرُونَ أَفْوَاهَهُمْ دَهْشَةً مِمَّا سَمِعُوهُ، وَقَالُوا:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُمِدُّ قَائِدًا انْفَضَّ (٣) عَنْهُ أَكْثَرُ جُنْدِهِ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ؟!.
فَقَالَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: نَعَمْ …
فَإِنَّ صَوْتَ القعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْجَيْشِ لَخَيْرٌ مِنْ أَلْفِ فَارِسٍ …
وَإِنَّهُ لَا يُهْزَمُ جَيْشٌ فِيهِ الْقَعْقَاعُ …
* * *
مَضَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى رَأْسِ عَشْرَةِ آلَافٍ مِنْ جُنْدِهِ نَحْوَ الْعِرَاقِ وَمَعَهُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو؛ الَّذِي عَدَّهُ عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأَلْفِ فَارِسٍ.
وَوَجَّهَ وَجْهَهُ شَطْرَ مِنْطَقَةِ "الْحَفِيرِ" الْوَاقِعَةِ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ؛ مِمَّا يَلِي الصَّحْرَاءَ.
وَكَانَ "هُرْمُزُ" أَمِيرًا لِهَذِهِ الْمِنْطَقَةِ مِنْ قِبَلِ مَلِكِ الْفُرْسِ.
وَ"هُرْمُزُ" - إِنْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ - أَحَدُ الرِّجَالِ الْقَلَائِلِ الَّذِينَ تَمَّ لَهُمُ الشَّرَفُ مِنَ الْفُرْسِ فِي عَصْرِهِ.
وَلَا أَدَلَّ عَلَى شَرَفِهِ الَّذِي بَلَغَهُ مِنْ قَلَنْسُوَتِهِ (٤) الَّتِي تُسَاوِي مِائَةَ أَلْفٍ.
إِذْ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْفُرْسِ أَنْ يَجْعَلُوا قَلَانِسَهُمْ عَلَى قَدْرِ شَرَفِهِمْ فِي
(١) فَضَّ الكتاب: فتحه.
(٢) فَفَغَروا أَفْوَاهَهُم: فتحوها بدهشة.
(٣) انْفَضّ: تفرق.
(٤) القَلَنْسُوة: غطاء الرأس.