لَمْ يَتَأَخَّر عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا الْمُسْلِمُونَ؛ مُنْذُ غَدَا أَهْلًا لِحَمْلِ السِّلَاحِ …
وَكَانَ لَهُ فِي كُلِّ مَعْرَكَةٍ خَاضَهَا الْمُجَاهِدُونَ؛ أَثَرٌ يُذْكَرُ فَيُشْكَرُ.
مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّ خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ (١) ﵁ وَأَرْضَاهُ أَذِنَ لِوَالِيهِ عَلَى مِصْرَ بِغَزْوِ أَفْرِيقِيَّةَ …
فَمَضَى الْجَيْشُ الْغَازِي إِلَى غَايَتِهِ.
لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنِ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ؛ فَأَهَمَّهُ أَمْرُ ذَلِكَ الْجَيْشِ وَأَغَمَّهُ …
فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى رَأْسِ جَمَاعَةٍ مِنَ فُرْسَانِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِإِمْدَادِ الْجَيْشِ، وَمُوَافَاتِهِ بِأَخْبَارِهِ (٢).
* * *
الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِالْجَيْشِ الْغَازِي، وَاطَّلَعَ عَلَى أَحْوَالِهِ …
فَوَجَدَ أَنَّ قَائِدَهُ كَانَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الظُّهْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ.
ثُمَّ يَرْكَنُ جَيْشُهُ وَجَيْشُهُمْ إِلَى الرَّاحَةِ مِنْ قَسْوَةِ الْجَوِّ وَشِدَّةِ الْحَرِّ.
فَمَا أَسْرَعَ أَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُقَسِّمَ جَيْشَهُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
قِسْمٍ يُحَارِبُ نِصْفَ النَّهَارِ الْأَوَّلِ …
وَقِسْمٍ يُحَارِبُ نِصْفَ النَّهَارِ الثَّانِي …
فَيَتَبَادَلُ الْفَرِيقَانِ الرَّاحَةَ، وَيَسْتَمِرُّ الْقِتَالُ …
(١) عُثْمَانَ بْنَ عَفَّان: انظره في الكتاب الثامن من "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.
(٢) موَافَاته بأخبَاره: إبلاغه بأخباره.