عِنْدَ ذَلِكَ؛ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَتَنَاوَلَ الرَّايَةَ بَعْدَ أَنْ رَأَى مَصْرَعَ صَاحِبَيْهِ عَنْ كَثَبٍ.
فَجَعَلَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ قَائِلًا:
يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي
هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ (١)
وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ
إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سَلَفَيْهِ الشَّهِيدَيْنِ وَهُمَا مُضَرْجَانِ بِدِمَائِهِمَا …
فَهَابَتْ نَفْسُهُ الْمَوْقِفَ بَعْضَ الْهَيْبَةِ …
وَتَرَدَّدَتْ بَعْضَ التَّرَدُّدِ ....
فَأَهَابَ (٢) بِهَا قَائِلًا:
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ
لَتَنْزِينَّ أَوْ لَتُكْرِهِنَّهْ
مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ
هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ في شَنَّهْ
ثُمَّ حَمَلَ الرَّايَةَ، وَنَزَلَ إِلَى سَاحِ الْوَغَى (٣) …
وَهُنَا جَاءَهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ بِعَظْمٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّحْمِ، وَقَالَ لَهُ:
(١) صليت: تعرضت.
(٢) فَأَهَابَ بِهَا: صاح بها وحَمّسها.
(٣) سَاح الْوغَى: ساحة الحرب.