قلت: الشك في الكلام الساقط بطرق الشك إلى المراد بالكلام الموجود، كما إذا خص العام بمجمل، بل هنا أولى؛ لأنه لم يثبت لنا لفظ النبي ﷺ فيه، ثم مع الاحتمال المذكور يتمسك ما يدل على عدم وضع الجوائح، ويجمع بينه وبين هذا الخبر إن أمكن الجمع.
وأما الحديث الآخر، وهو قوله ﷺ:"لوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأخُذَ مِنْهُ "(١).
وفي رواية:"مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا". فإنه صريح، لكن أبدى البيهقي (٢) فيه احتمالًا أن يكون " [واردًا](٣) في البيع قبل بدو الصلاح، وما قاله محتمل، وهذا الاحتمال وإن كان مخالفًا لما يقتضيه إطلاق اللفظ، لكن يوجب المصير إليه الحديث الذي هو حجة القول الجديد.
وقال البيهقي (٤): إنه أصح ما يحتج به له، وهو ما رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، قال: أُصِيْبَ رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ: "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ" (٥)، ولو كانت الجائحة من ضمان البائع لأسقط النبي ﷺ الديون التي لحقته من ثمن الثمار التالفة، فقد دل هذا الحديث على أن الجائحة لا توضع، ودل حديث جابر على الأمر بوضعها،
(١) أخرجه مسلم (١٥٥٤)، وأبو داود (٣٤٧٢)، والنسائي (٤٥٢٧، ٤٥٢٨)، وابن ماجه (٢٢١٩). (٢) السنن الكبرى (٥/ ٣٠٦). (٣) في المخطوطة: "وارادا"، والصواب ما أثبتناه. (٤) السنن الكبرى (٥/ ٣٠٦). (٥) صحيح مسلم (١٥٥٦).