للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ : واختَلفَ الفُقهاءُ في كَراهيةِ شِراءِ الرَّجلِ صَدقتَه الفَرضَ والتَّطوُّعَ إذا أخرَجَها عن يَدِه لوَجهِها ثم أرادَ شِراءَها من الذي صارَت إليه.

فقالَ مالِكٌ في «المُوطَّأِ» في رَجلٍ تَصدَّق بصَدقةٍ فوجَدَها مع غيرِ الذي تصَدَّق بها عليه تُباعُ أيَشتَريها؟ فقالَ: تَركُها أحَبُّ إلَيَّ. وقد رُويَ عنه أنَّه قالَ: لا يَشتريها.

وذكَرَ ابنُ عبدِ الحَكمِ عن مالِكٍ: من حمَلَ على فَرسٍ فباعَه الذي حمَلَ عليه فوجَدَه الحامِلُ في يَدِ المُشتَري لا يَشتَريه أبَدًا، وكذلك الدَّراهمُ والثَّوبُ.

وقالَ عنه في مَوضعٍ آخَرَ من كِتابِه: مَنْ حمَلَ على فَرسٍ فباعَه ثم وجَدَه الحامِلُ في يَدِ الذي اشتَراه فتَركُ شِرائِه أفضَلُ.

قالَ أبو عُمرَ: كرِهَ مالِكٌ واللَّيثُ والحَسنُ بنُ حَيٍّ والشافِعيُّ شِراءَ الصَّدقةِ لمَن تَصدَّق بها، ولم يرَوْا لأحَدٍ أنْ يَشتريَ صَدقتَه؛ فإنِ اشتَرى أحَدٌ صدَقَته لم يَفسَخوا العَقدَ ولم يَردُّوا البَيعَ، ورأوُا التَّنزُّهَ عنها، وكذلك قَولُهم في شِراءِ الإِنسانِ ما يُخرجُه من كَفارةِ اليَمينِ مِثلَ الصَّدقةِ سَواءٌ.

قالَ أبو عُمرَ: إنَّما كرِهوا بَيعَها لهذا الحَديثِ، ولم يَفسَخوها؛ لأنَّها راجِعةٌ اليه بغيرِ ذلك المَعنى، وقد بيَّنَّا هذا الحَديثَ في قِصةِ هَديةِ بَريرةَ بما تصَدَّق به عليها، ويَحتملُ هذا الحَديثُ أنْ يَكونَ على وَجهِ التَّنزُّهِ وقَطعِ الذَّريعةِ إلى بَيعِ الصَّدقةِ قبلَ إخراجِها، أو يَكونَ مَوقوفًا على التَّطوُّعِ في التَّنزُّهِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>