مِنْ عِندِه فلَه الشَّطرُ، وإنْ جاؤُوا بالبَذْرِ فلَهم كَذا … » (١).
وقالَ ابنُ عُمرَ ﵄: «دفعَ رَسولُ اللهِ ﷺ نَخلَ خَيبَرَ وأرضَها إليهم، على أنْ يَعتَمِلوها مِنْ أموالِهم» (٢).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وهذا ممَّا يُبَين لَكَ أنَّ المُزارَعةَ التي يَكونُ فيها البَذْرُ مِنْ العامِلِ أحَقُّ بالجَوازِ مِنْ المُزارَعةِ التي يَكونُ فيها مِنْ ربِّ الأرضِ، ولِهَذا كانَ أصحابُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ يُزارِعونَ على هذا الوَجه، وكذلك «عامَلَ النَّبيُّ ﷺ أهلَ خَيبَرَ بشَطرِ ما يَخرُجُ مِنها مِنْ ثَمرٍ وزَرعٍ، على أنْ يَعْمُروها مِنْ أموالِهم».
والَّذينَ اشترَطوا أنْ يَكونَ البَذْرُ مِنْ ربِّ الأرضِ قاسُوا ذلك على المُضارَبةِ فقالوا: في المُضارَبةِ المالُ مِنْ واحِدٍ، والعَملُ مِنْ آخَرَ، وكذلك يَنبَغي أنْ يَكونَ في المُزارَعةِ، وجَعَلوا البَذْرَ مِنْ ربِّ المالِ، كالأرضِ.
وَهَذا القياسُ مع أنَّه مُخالِفٌ لِلسُّنةِ ولِأقوالِ الصَّحابةِ؛ فهو مِنْ أفسَدِ القِياسِ، وذلك أنَّ المالَ في المُضارَبةِ يَرجِعُ إلى صاحِبِه، ويَقتَسِمانِ الرِّبحَ، فهو نَظيرُ الأرضِ في المُزارَعةِ، وأمَّا البَذْرُ الذي لا يَعودُ نَظيرُه إلى صاحِبِه، بَلْ يَذهَبُ كَما يَذهَبُ نَفعُ الأرضِ، فإلحاقُه بالنَّفعِ الذَّاهِبِ أوْلَى مِنْ إلحاقِه بالأصلِ الباقي؛ فالعاقِدُ إذا أخرَجَ البَذْرَ ذَهَبَ عَملُه وبَذْرُه، ورَبُّ الأرضِ ذَهَبَ نَفْعُ أرضِه، وبَذْرُ هذا كَأرضِ هَذا، فمَن جعلَ البَذْرَ كالمالِ كانَ يَنبَغي
(١) ذكره البخاري مُعَلَّقًا بصيغة الجَزْم (٢/ ٢٨٠) باب المُزارَعة بالشطر ونحوه. ورواه ابن أبي شَيبة (٣٧٠١٦).(٢) رواه مسلم (١٥٥١).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute