حدث أصغر يقتضيه سائر الأنواع، فما يوجبه الرعاف يقتضيه سائر الأحداث، فكان النص على أحدها كالنص على سائرها.
ولأن الله حين قال في كتابه العزيز: ﴿سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، شمل ذلك جميع الأحداث، فكذلك هنا.
نعم من يَرَى الخارج النجس من غير السبيلين ليس بحدث كالمالكية فهذه قضية أخرى، ينظر البحث فيها خارج هذه المسألة، وقد سبق أن الأثر عن ابن عمر يسوي في الحكم بين الرعاف والمذي، والثاني حدث بالاتفاق.
ولم يجر الحنفية القياس في الحدث الأكبر؛ لأن القياس في الأصل يمنع من البناء، وإنما سلمنا الحكم في الحدث الأصغر؛ لورود الأثر عن الصحابة، وبقي ما عداه على الأصل من المنع على البناء؛ وكل ما ورد خارجًا عن القياس، ولم يعرف لحكمه علة، فلا يقاس عليه غيره. هذا توجيه مذهب الحنفية.
وأما الشافعية في القديم، فقالوا: البناء لا يرجع إلى نوع الحدث، فالحدث الأصغر كالحدث الأكبر في إبطال الطهارة، ولا يختلف الفقهاء أن من وقع له الحدث في الصلاة بطلت طهارته من غير فرق بين الأكبر والأصغر، وإنما روعي في البناء على الصلاة كون الحدث خرج بلا إرادته، فكان هذا عذرًا في عدم إبطال صلاته، ولهذا لو تعمد الحدث لم يصح البناء بالإجماع، فدل على أن هذا هو سبب البناء وعلته، فإذا سبقه الحدث مطلقًا سواء كان أصغر أو أكبر، فعليه أن يخرج ويتطهر ويبني، وإذا كان خروجه من الصلاة وذهابه للوضوء لم يمنع من البناء، فكذلك خروجه للغسل لا يمنع من البناء، بل إن مقتضى القياس عدم التفريق بين الحدث وبين كل منافٍ للصلاة كما لو انكشفت عورته بلا تقصير منه، وألقت الريح ثوبه بعيدًا، واحتاج إلى إعادته زمنًا فإنه يتبع ثوبه، ويلبسه، ويبني على صلاته، وهذا هو القول القديم للإمام الشافعي.
• ونوقش هذا الاستدلال:
إذا كان العمدة في الاحتجاج على آثار بعض الصحابة، فنعم السبيل سبيلهم،