= وإن كان منفردًا أو مأمومًا فإن مكث في مصلاه يدعو جاز، وقد ذكر الحنفية الدعاء مطلقًا، ولم يذكروا في صفته رفع اليدين، فلو كان ذلك مشروعًا عندهم لذكروه في صفة الدعاء. انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٣٨)، الفتاوى الهندية (١/ ٧٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٠)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٦٦)، مجمع الأنهر (١/ ١٣٠)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣١٢). ولذلك قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٢/ ١٧٣): «اعلم أن الحنفية في هذا الزمان يواظبون على رفع اليدين في الدعاء بعد كل مكتوبة مواظبة الواجب فكأنهم يرونه واجبًا ولذلك ينكرون على من سلم من الصلاة المكتوبة، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام … ولم يدع برفع يديه، وصنيعهم هذا مخالف لقول إمامهم الإمام أبي حنيفة وأيضا مخالف لما في كتبهم المعتبرة … ». وجاء في المدونة (١/ ١٦٥): قال ابن القاسم: كان رفع اليدين عند مالك ضعيفًا إلا في تكبيرة الإحرام. قلت لابن القاسم: وعلى الصفا والمروة، وعند الجمرتين، وبعرفات، وبالموقف، وفي المشعر، وفي الاستسقاء، وعند استلام الحجر؟ قال: نعم، إلا أنه في الاستسقاء بلغني أن مالكًا رُئِي رافعًا يديه، وكان قد عزم عليه الإمام، فرفع مالك يديه،، فجعل بطونهما مما يلي الأرض، وظهورهما مما يلي وجهه … ». فجاء عن مالك روايتان: الأولى تدل على أن رفع الأيدي بالدعاء بعد الصلاة لا بأس به، وتقدم ذكره في القول السابق. والرواية الثانية: تدل على أن الإمام لا يرى الرفع في غير تكبيرة الإحرام، وفي الاستسقاء. ونفي الرفع على الصفاء وفي عرفات، وفي المشعر لا يستلزم نفي الدعاء نفسه؛ لأن قول ابن القاسم أنه ضعيف متوجه إلى الرفع، وليس إلى الدعاء في تلك المواضع. وهذا القول يؤيده ما رواه البخاري ومسلم عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء. وهناك طريقة أخرى في الجمع: أن الضعف قد يحمل على صفة الرفع، فيكون الرفع ضعيفًا: أي خفيفًا، غير مبالغ فيه كالاستسقاء، قال سحنون موصولًا في الكلام السابق: «قال ابن القاسم وسمعته يقول: فإن كان الرفع فهكذا مثل ما صنع مالك. قلت لابن القاسم: قوله إن كان الرفع فهكذا، في أي شيء يكون هذا الرفع؟ قال: في الاستسقاء وفي مواضع الدعاء. قلت لابن القاسم: فعرفة من مواضع الدعاء؟ قال: نعم والجمرتان والمشعر .... ». فعمم الرفع في مواضع الدعاء، وأطلق. فتحمل رواية نفي الرفع إذا رفع في غير مواضع الرفع، والرواية المثبتة إذا رفع يديه في المواضع التي ورد فيها الرفع. أو تحمل رواية نفي الرفع على عدم المبالغة فيه، والرواية المثبتة على المبالغة =