أما الجواب عن الإجماع الذي نقله الترمذي: فلا يصح؛ لأن الخلاف محفوظ من الصحابة وبين الأئمة الأربعة.
فالأصح في مذهب الشافعية أن المسافر إذا أقام، وهو لا يعلم متى تنقضي حاجته، فإنه يقصر ثمانية عشر يومًا، ثم يتم، لا فرق بين المقيم لقتال أو خوف أو تجارة أو غيرها.
قال النووي:«لو أقام ببلد بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقعها كل وقت قصر ثمانية عشر يومًا ..... »(١).
وقال ابن عباس بجواز القصر تسعة عشر يومًا تأسيًا بفعل النبي ﷺ في حجة الوداع مطلقًا، ولم يشترط أن يكون المسافر لم يجمع مكثًا.
وإذا كانت الإقامة تسعة عشر يومًا لا تقطع أحكام السفر لم يقطع أحكام السفر ما زاد عليها؛ فما الفرق بين الإقامة في اليوم التاسع عشر وبين اليوم العشرين.
ولأن إبطال حكم القصر حكم وضعي، فإذا كانت الإقامة تبطله لم يكن هناك فرق بين الأربعة أيام أو العشرة أو الخمسة عشر، أو التسعة عشر، أو أقل أو أكثر.
وأما الجواب عن دعوى أن إقامته ﷺ في فتح مكة وفي غزوة تبوك بأنه لم يجمع الإقامة مدة معلومة، فمن أكثر من وجه:
الوجه الأول:
لم يبين النبي ﷺ أنه قصر في فتح مكة؛ لأنه لم يجمع الإقامة، ولا أنه قصر في تبوك؛ لأنه في انتظار حرب لا يعلم متى تنتهي، ولو كان هذا شرطًا للقصر مع الإقامة لبينه النبي ﷺ؛ لأن شروط العبادة توقيفية، وحتى لا يلتبس على الناس أمر دينهم في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وحتى لا يتأسى به أحد ممن لم يتوفر فيه هذا الشرط.
(١) منهاج الطالبين (ص: ٤٤). وانظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٦٣٢)، مختصر المزني، ت: الداغستاني (١/ ١٤١)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٧٤)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ١٠٩٧)، نهاية المطلب (٢/ ٤٣٤).