للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وأما الجواب عن حديث أنس في قيام النبي في مكة في حجة الوداع،

فهو الفعل الوحيد الذي أجمع النبي على الإقامة فيه مدة معلومة.

فأنس عدَّ مقامه في المشاعر من مقامه في مكة، فقال: أقمنا في مكة عشرًا نقصر الصلاة، وكذلك نافع فيما رواه عن ابن عمر، وقد سبق تخريجهما، ولا يوجد من أقوال الصحابة ما يخالفهما.

والجواب عنه على هذا التأويل: بأن إقامته بمكة لا استيطانًا لها لئلا تكون رجوعًا في الهجرة، وبأن إقامته بها عشرًا كانت بنية الرحيل، وكانت العوائق تمنعه من ذلك، فما كان على نية الرحيل، فإنه يقصر فيه، وإن أقام مدة طويلة بإجماع العلماء (١).

وأما الجمهور فجعلوا توجه النبي من مكة إلى منى شروعًا في سفر جديد، وقطعًا لإقامته في مكة، وقد أقام النبي في مكة يقصر الصلاة، فما زاد عليها لزمه الإتمام احتياطًا.

قال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر. فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد … فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له عندي غير هذا» (٢).

وقد اختلف الجمهور في كيفية احتساب إقامته في مكة، أتحسب بعدد الصلوات التي صلاها في الأبطح، أم تحسب بعدد الأيام.

والقائلون بالأيام اختلفوا في احتساب يومي الدخول والخروج من المدة، ولهذا اختلفت أقوالهم في مدة إقامته بالأبطح على ما سبق ذكره.

وما روي عن الصحابة من قصر الصلاة مع الإقامة الطويلة محمول على أنهم لم يعزموا على الإقامة مدة طويلة، وإنما كانوا ينتظرون قضاء حاجاتهم؛ لأنها حكاية أفعال، فهي تشبه فعل ابن عمر حين قصر الصلاة بسبب الثلج.


(١) انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٨/ ٤٣٦).
(٢) المغني (٢/ ٢١٣)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٥٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>