فلم يجمع الإقامة مدة معلومة، ففي فتح مكة كان بقاؤه فيها لغايتين: تنظيم شؤونها بعد فتحها، وتجهيز الجيش لغزوة حنين، وهذا أمر لا يعلم متى يفرغ منه.
«قال إسحاق بن منصور: قيل لأحمد ﵁: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أقَامَ بمكةَ ثماني عشرةَ زمنَ الفتح، قال: إنَّما أرادَ حُنينًا لم يكُنْ ثمَّ إجماعٌ، وأقامَ بتبوكَ عشرينَ لمْ يكُنْ ثَمَّ إجماعٌ، ولكن إذا أُجمِعَ على إقامةٍ زيادة على أربع أتَمَّ الصَّلاةَ»(١).
وأما إقامته في تبوك، فإنهم كانوا مقيمين بدار الحرب، وينتظرون الرجوع في كل يوم، فلم يجمعوا على الإقامة مدة معلومة.
وإذا لم يجمع المسافر المكث مدة معلومة فله القصر،
وحكي إجماعًا، قال الترمذي:«أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون»(٢).
وقال مثله ابن المنذر (٣).
وكان ابن عمر ﵁ القائل: المسافر يقصر ما لم يجمع مكثًا.
والقائل أيضًا: إذا أجمع على الإقامة اثني عشر يومًا أتم حين حبسه الثلج في أذربيجان ستة أشهر قصر الصلاة، وإن كان يعلم أنه لا يذوب عن قرب، إلا أنه حين علق سفره على حاجة لا يعلم متى تقضى قصر، وليس فعل ابن عمر هذا مخالفًا لقوله.
ومثله قول ابن عباس فهو يرى أنه إذا أقام أكثر من تسعة عشر يومًا أتم الصلاة، ومع ذلك صح عنه أنه أفتى بالقصر لمن أقام في المدينة حولًا كاملًا، وكذلك أفتى بالقصر لمن أقام خمسة أشهر، وسبق تخريجها، وسأعيدها إن شاء الله تعالى في الدليل التالي، وفتواه لا تعارض قوله بالإتمام إذا أقام أكثر من تسعة عشر يومًا، والله أعلم.
(١) الجامع لعلوم الإمام أحمد (٨/ ١٠٥)، المغني (٢/ ٢١٣). (٢) سنن الترمذي (٢/ ٤٣١). (٣) المغني (٢/ ٢١٥)، الفروع (٣/ ٩٦)، المبدع (٢/ ١٢٢)، زاد المعاد، ط: عطاءات العلم (٣/ ٧١١).