ولأن السنة فرقت بين إقامة الرجل في بلده وبين إقامة المسافر أثناء السفر.
وإذا كانت إقامة عشرين صلاة أربعة أيام لا تقطع حكم السفر لم يقطعه ما زاد على ذلك إلا بدليل، ولا دليل.
الوجه الرابع:
من المؤكد أن هناك من أصحاب النبي ﷺ من جاء للحج قبل النبي ﷺ بيوم أو أكثر، فزادت إقامتهم على أربعة أيام، وهناك منهم من سيتأخر في مكة بعد الفراغ من الحج، فلو كان الحكم في حقهم وجوبَ الإتمام لَوَجَبَ على النبي ﷺ أن يُبيِّنه لدُعاء الحاجة للبلاغ والتبيين، كما قام النبي ﷺ بإبلاغ المهاجر ألا يقيم أكثر من ثلاثة أيام، فلما لم يمنع النبي ﷺ هؤلاء من الترخص، علم أن الإتمام ليس بواجب.
الوجه الخامس:
لو تنزلنا وقلنا: إن الإقامة في أثناء السفر تقطع حكم السفر لم يصح القول بانقطاعه في أربعة أيام، فالوارد عن ابن عمر من رواية سالم ونافع: اثنا عشر يومًا، ومن رواية مجاهد عنه: خمسة عشر يومًا.
والوارد عن ابن عباس: إقامة تسعة عشر يومًا.
والوارد عن علي ﵁ إقامة عشرة أيام، هذه هي الأقوال المسندة عن بعض الصحابة، ليس منها ما يقضي بانقطاع السفر في الإقامة أربعة أيام، فأقلها عشرة أيام، وأكثرها تسعة عشر يومًا، وقد خرجتها في المسألة التي قبل هذه.
نعم نسب القول بإقامة أربعة أيام إلى عثمان ﵁، إلا أني لم أقف عليه مسندًا عنه، والحجة إنما في المسند الصحيح، والثابت عن عثمان أنه أتم في منى، وهي حكاية فعل، ولم يكن هناك نص ثابت عن عثمان عن سبب إتمامه بمنى، لهذا ذهب العلماء في تأويل فعل عثمان إلى أقوال كثيرة، لا يثبت منها شيء عن عثمان (١).
(١) سبق لي ذكر كلام العلماء في تأويل جمع عثمان، من ذلك: ما رواه أبو داود (١٩٦٤) من طريق حماد، عن أيوب، عن الزهري: أن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى من أجل الأعراب، لأنهم كثروا عامئذٍ، فصلى بالناس أربعًا؛ ليعلمهم أن الصلاة أربع. وهذا مع كونه لا يصح عن عثمان، فقد كان الأعراب في حجة الوداع خلف النبي ﷺ، وهم أحدث عهد بالإسلام منهم في عهد عثمان ﵁، ومع ذلك لم يدع النبي ﷺ القصر. وروى أبو داود (١٩٦٣) من طريق ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال: لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف، وأراد أن يقيم بها صلى أربعًا، قال: ثم أخذ به الأئمة بعده. ولا يصح هذا؛ لأن الزهري لم يدرك عثمان، وهذا يخالف ما رواه أيوب عن الزهري. وروى الإمام أحمد (١/ ٦٢) من طريق عكرمة بن إبراهيم الباهلي حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبيه: أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات، فأنكره الناس عليه، فقال: يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله ﷺ قول: من تأهل في بلد فليصلّ صلاة المقيم. ضعيف، وسبق تخريجه، إلى غير ذلك من الاحتمالات، والله أعلم، وليس في شيء منها أن عثمان إنما أتم لأنه نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، والله أعلم.