أَتَدعُو أيها المؤمن! كريمًا ولا يجيبك؟! وترفع يديك لغني لا يخشى الفاقة ويردك خائبًا؟! لا تظنَّ في الله تعالى ذلك، ولو كنت عاصيًا والخلل في أحوالك؛ لأنَّ الله ﷾ قد أجاب دعوة إبليس مع تمرده، وما كان فيه من المخالفة والتعكيس، فاسمع قوله تعالى: ﴿﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ [الأعراف: ١٤ - ١٥](١).
كان يحيى بن معاذ الرازي يقول: إلهي كيف أدعوك وأنا عاصٍ؟! وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟! (٢) فالمؤمن الموفق إذا طلب من الله سبحانه شيئًا من الدنيا ولم يعطه ترك مراده لمراد الله تعالى، ورأى المنع عطاءً، ويقول: عسى أن يكون في التأخير مصلحة؛ لأنَّ (٣) السيد أعلم بمصلحة عبده.
وقد تؤخر الإجابة (٤) لمصلحة يعلمها الله في التأخير، ويجاب أو يُدفع عن الداعي بلاءً، أو يدَّخر له عند الله سبحانه، فيكون قد طلب شيئًا فانيًا فيعطى شيئًا باقيًا فلا يقول الإنسان: دعوت وما رأيت الإجابة. لا تظنَّ بالله
(١) وأحسن من هذا مثلًا أن الله تعالى يستجيب دعوة المشركين إذا أخلصوا له في الدعاء، وتوجَّهوا إليه وحده بالاستغاثة والنداء، قال ربنا سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال ﷿: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢]. (٢) ذكره النووي في «الأذكار» (ص ٣٩٦). (٣) في (ط): فإن. (٤) في (خ): الدعاء.