قال بعض الحكماء: إذا ألف الزاهد أبناء الدنيا انقطعت عروته، فإن نال من دنياهم شيئًا انحلت عقدته، فإن تمتع بها ضلَّ (١).
وكان بعضهم يقول: ارحموا فقيرًا أفسدت معدته طعام الأغنياء (٢).
قال جعفر بن حميل: صحبت الناس خمسين سنة فلم أجد فيهم من ستر عورتي، ولا وصلني حين قطعته، ولا آمنه إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمق (٣).
قال المؤلف: من اشتغل بكريم فهو كريم، ومن اشتغل بمهان فهو مهان، وإذا أراد الله بعبد خيرًا شغله به، وإن لم يرد به خيرًا شغله بغيره.
وكان بعض الصالحين ينشد هذه الأبيات:
أتوب إلى الذي أضحى وأمسى … وقلبي يتقيه ويرتجيه
تشاغل كل مخلوق بشغل … وشغلي في محبته وفيه
قيل للحسن البصري: هنا رجل لم ير جالسًا قط مع الناس. ودلوه عليه، فقال له الحسن: يا عبد الله، أراك قد أحببت العزلة واجتناب الناس. قال: أمرٌ شغلني عنهم. (فقال له: فما يمنعك أن تأتي الحسن فتسمع منه؟ قال: أمر شغلني عنهم)(٤). قال له الحسن: وما هو يرحمك الله؟ فقال: إني أصبح وأمسي في نعمة وذنب، فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بشكر الله تعالى على النعمة والاستغفار من الذنب. فقال له: يا عبد الله، أنت عندي أفقه من الحسن، الزم ما أنت عليه (٥).
وقيل: لما قدم ابن المبارك المصيصة سأل عن محمد بن يوسف فلم يعرف أحد مكانه، فبكى ابن المبارك وقال: هذا والله من فضله أن لا يعرف
(١) لم أجده. (٢) لم أجده. (٣) أخرجه الخطابي في «العزلة» (١٤٦). (٤) ليست في (ق). (٥) ذكره الغزالي في الإحياء ٢/ ٢٢٧.