للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الصالحية؟ ثم أرسله إلى السجن وسجنه، فشقّ ذلك على القضاة والنوّاب، فاضطربت القاهرة بسببه، ثم شفع فيه عند قاضى العسكر القاضى شهاب الدين ابن شيرين الحنفى، فأطلقه من السجن فى يومه هو والعجماوى أفرج عنهما. وقد حصل لأهل مصر من قاضى العسكر غاية الضرر للرجال والنساء، ووقع منه أمور شنيعة ما تقع من الجهّال ولا من المجانين، فتزايد حكمه بالجور بين الناس، وقد ضيّق عليهم غاية الضيق.

ثم تكلموا الناس مع قاضى العسكر فى أمر النساء أن لا يمنعوا من طلوع الترب ودخول الحمّام وزيارة الأقارب، فأذن لهنّ فى ذلك، وأن المرأة لا تخرج الطريق إلا مع زوجها، وأن لا يدخل الأسواق غير العجائز فقط، فسمح لهن قاضى العسكر بذلك، وأنهنّ لا يركبن إلا الخيل والبغال دائما، فاستمرّوا على ذلك.

وقد فتك قاضى العسكر بالناس فى هذه الأيام فتكا ذريعا، وقد جمع بين قبح الشكل والفعل، فإنه كان أعور بفرد عين بلحية بيضاء، وقد طعن فى السن، وكان قليل الرسمال (١) من العلم، أجهل من حمار، لا يدرى شيئا فى الأحكام الشرعية، وقدّمت إليه عدة فتاوى فلم يجب عنها بشئ، وقد هجته الناس هجوا فاحشا فى مدة إقامته بمصر فقالوا فيه عدة مقاطيع، فمن جملة ذلك قول بعض الشهود، وهو قوله فيه:

رأينا مسيخا أعورا قبل موتنا … أتى من بلاد الروم يمنع رزقنا

يقدّم قانونا على شرع أحمد … فنسأل ربّ العرش يكشف كربنا

وقلت أنا:

رأيتك لا ترى إلا بعين … وعينك لا ترى إلا قليلا

فإن تك قد أصبت بفرد عين … فخذ من عينك الأخرى كفيلا

فقد أيقنت أنك عن قريب … إذن بالكفّ تلتمس السبيلا

وفى يوم الجمعة عاشر (٢) الشهر، فيه قدم الأمير شيخ الذى كان توجّه إلى إسطنبول فى بعض أشغال ملك الأمراء، فلما حضر أخبر بأن السلطان سليمان جهّز عدّة


(١) الرسمال، يعنى: الرأسمال.
(٢) عاشر: عاشهر.