المعاملة (١) وصارت البضائع تباع بسعرين، سعر بالفضة الجديدة وسعر بالفضة العتيقة، فضجّ الناس من ذلك، وغلقت الأسواق والدكاكين، وبطل البيع والشرى، ووقف حال التجّار والمتسبّبين، وصار النصف من الفضة العتيقة يصرف بستة دراهم فلوس جدد، والنصف الفضة من الفضة الجديدة يصرف بنصفين وربع، وقد لعب إبراهيم اليهودى معلّم دار الضرب فى أموال المسلمين من ذهب وفضة وفلوس جدد، وتحكّم فى أخذ ما بيد الناس من الأموال بغير حقّ والأمر إلى الله تعالى.
وفى يوم الأربعاء خامس الشهر اجتمع الجمّ الغفير من السوقة والمتسبّبين، وجماعة من القزّازين من منية أبى عبد الله، وجماعة من المكّاسة وغير ذلك، وحملوا على رءوسهم مصاحف وربعات وأعلاما وطلعوا إلى القلعة، وزعموا أن محيى الدين ابن أبى أصبع قد ظلمهم بسبب مكس الأطرون، وأخذ منهم على حكم المعاملة الجديدة كل نصف فضة بنصفين وربع، وقد ظلمهم وصار يقيم لهم النصف الفضة من الفضة العتيقة بستة نقرة، فلما طلعوا إلى القلعة لم يجتمعوا بملك الأمراء واحتجب عنهم، وأرسل إليهم الأمير جانم الحمزاوى والقاضى شرف الدين الصغير كاتب المماليك، فقال لهم: ملك الأمراء يقل لكم هذا أمر سلطانى فى أمر المعاملة، وليس بيده شئ فى أمر المعاملة، اصبروا إلى أول شهر رجب ينظر فى أمر المعاملة. فكابروا ووقفوا وأشلوا وتحسّبوا، فخرج إليهم جماعة من الأنكشارية فضربوهم بالعصىّ على وجوههم فشتّتوهم، فنزلوا فى أسوأ حال وهم فى غاية الذلّ. - وفيه نزل ملك الأمراء وتوجّه إلى بركة الحبش على سبيل التنزّه، فجهّز إليه القاضى المحتسب هناك مدّة حافلة وأقام إلى أواخر النهار، ثم عاد إلى القلعة من يومه.
وفيه نودى فى القاهرة بأن السنج والأرطال القديمة التى كانت تتعامل بهما الناس من قديم الزمان تبطل جميعها من القاهرة، وأخرجوا لهم سنج نحاس وأرطالا تسمى العثمانية، وهى عبارة عن تسعة دراهم، فتنقص كل مائة درهم أربعة دراهم فى سائر الأوزان قاطبة فى البضائع والأصناف، حتى فى المسك والعود والعنبر وغير ذلك،