ولاية، وأنا ملك ابن ملك إلى عشرين جدّ وقد تولّيت الملك بعهد من الخليفة ومن قضاة الشرع. وذكر فى مطالعته أشياء كثيرة من هذا النمط: وأنى أخذت المملكة بالسيف بحكم الوفاة عن السلطان الغورى، فاحمل لى خراج مصر فى كل سنة كما كان يحمل لخلفاء بغداد. واحتفل حتى قال: أنا خليفة الله فى أرضه وأنا أولى منك بخدمة الحرمين الشريفين. ثم ذكر فى أثناء المطالعة: وإن أردت أن تنجو من سطوة بأسنا فاضرب السكة فى مصر باسمنا وكذلك الخطبة، وتكون نائبا عنّا بمصر، ولك من غزّة إلى مصر ولنا من الشام إلى الفرات، وإن لم تدخل تحت طاعتنا وإلا أدخل إلى مصر وأقتل جميع من بها من الأتراك حتى أشقّ بطون الحوامل وأقتل الجنين الذى فى بطنها من الأتراك. وأظهر التعاظم وقوة البأس ولعل الله تعالى أن يخذله بسبب هذا التعاظم الزائد. وفى آخر مطالعته: وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا. فلما قرئت هذه المطالعة على السلطان بكى وحصل له غاية الرعب، وكانت المماليك الجلبان اتّفقوا على أنهم إذا طلع القاصد إلى القلعة يقطعونه بالسيوف، فلم يطلع إلى القلعة بسبب ذلك.
فلما أشيع بين الناس بما فى مطالعة ابن عثمان من هذه الدعاوى العريضة مما تقدم ذكره، اضطربت أحوال الديار المصرية وأخذ كل أحد حذره من ابن عثمان، وقالوا: مثلما طرقتنا قصاده على حين غفلة كذلك يطرقنا هو أيضا على حين غفلة. فشرع الناس فى تحصيل أماكن فى أطراف المدينة وجوانبها ليختفوا فيها إذا دخل ابن عثمان إلى مصر، وبعض الناس عوّل على أنه ينزل فى مراكب هو وعياله وأولاده ويتوجّه بهم إلى أعلا الصعيد إذا تحقّق مجئ ابن عثمان. وأشيع أن خايرك بك نائب حلب الذى عصى ودخل تحت طاعة ابن عثمان، أرسل مطالعات إلى بعض الأمراء المقدّمين وهو يرغّبهم فى الدخول تحت طاعة ابن عثمان، وشرع يطنب فى محاسنه وعدله فى الرعية، وأنه إذا دخل إلى مصر يبقى كل أحد من الأمراء على وظيفته وعلى رزقه، وكل هذا حيل وخداع حتى يتمكن من الدخول إلى مصر.
ثم إن السلطان نادى للعسكر بأن أول النفقة يوم الأربعاء ثالث عشرين الشهر،