للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فجلس السلطان بالحوش على التكة وطلع العسكر ليقبض النفقة، فلما طلعوا نفق عليهم لكل مملوك ثلاثين دينارا وجامكية ثلاثة أشهر بعشرين دينارا. فأرموا تلك (١) النفقة فى وجهه وقالوا: ما نسافر حتى نأخذ مائة دينار لكل مملوك فإننا لم يبق (٢) عندنا لا خيول ولا قماش ولا برك ولا سلاح. فنزلوا كلهم من القلعة على حميّة وهم على غير رضى، فحنق منهم السلطان وقام من على التكة وطلع إلى المقعد وقال: ما أقدر على مائة دينار لكل مملوك والخزائن فارغة من المال، وإن لم ترضوا بذلك فولّوا لكم من تختاروه (٣) فى السلطنة وأنا أتوجّه إلى مكة أو غيرها من البلاد. فوقع فى ذلك اليوم بعض اضطراب، وأشيع أن بعض المماليك قال للسلطان: إن كنت تعمل سلطانا فامش (٤) على طريقة من تقدّمك من السلاطين، وإن رحت لعنة الله عليك، غيرك يجى يعمل سلطانا. فسمع ذلك بأذنه منهم، وأشيع أن السلطان قال للعسكر: إنتو أخذتوا من السلطان الغورى مائة وثلاثين دينارا ولم تقاتلوا (٥) شيئا وكسرتوا السلطان وأخنيتوا به حتى قتل منكم قهرا. فنزل العسكر من القلعة على غير رضى، وأشيع إثارة فتنة بين العسكر. - ثم إن فى ذلك اليوم نادى السلطان بأن جميع الأمراء من الأكابر والأصاغر، وجميع العسكر من الخاصكية والجمدارية، يطلعون (٦) غدا، باكر النهار، فإن العرض عامّ، فانفضّ المجلس على ذلك.

فلما كان يوم الخميس رابع عشرينه جلس السلطان على التكّة بالحوش وطلع الأمراء قاطبة والعسكر، وطلع سيدى ابن السلطان الغورى، فقال السلطان: أدى ابن أستاذكم قد حضر اسألوه إن كان أبوه ترك فى الخزائن شيئا من المال فيخبركم بذلك، وإن كان تسلطنوه فأنا أول من يبوس له الأرض. فقال المماليك الجلبان: نحن نسافر بلا نفقة حتى نأخذ بثأر أستاذنا. وقالت المماليك القرانصة:

نحن ما نسافر حتى يعطينا مائة وثلاثين دينارا كما أعطى من سافر قبلنا. فانفصل المجلس مانعا أيضا، وكثر القال والقيل فى ذلك اليوم. وأشيع أن بعض الأمراء


(١) تلك: ذلك.
(٢) لم يبق: لم يبقى.
(٣) تختاروه: كذا فى الأصل، وتلاحظ فيما يلى عامية الأسلوب.
(٤) فامش: فامشى.
(٥) تقاتلوا: تقالوا.
(٦) يطلعون: يطلعوا.