ألا إنما الأقسام تحرم ساهرا … وآخر يأتى رزقه وهو نائم
ودخل المرة الثانية فصلى صلاة الجمعة فى جامع الأطروش الذى بحلب، وخطب باسمه ودعى له على المنابر فى مدينة حلب وأعمالها، ولما صلى بها صلاة الجمعة زيّنت له مدينة حلب ووقد له الشموع على الدكاكين وارتفعت له الأصوات بالدعاء، والتفّ عليه الخواجا إبراهيم السمرقندى والخواجا يونس العادلى والعجمى الشنقشى (١)، وكانوا هؤلاء من أخصاء الغورى، وكانوا مع ابن عثمان فى الباطن ويكاتبونه (٢) بأحوال السلطان وما يقع من أخبار المملكة، فلما فقد السلطان أظهروا عين المحبة لابن عثمان، وصاروا يحطون (٣) على الغورى ويذكرون أفعاله الشنيعة إلى ابن عثمان، وصاروا من جماعته ونسيوا إحسان الغورى لهم، كما يقال فى المعنى:
لقاء أكثر من يلقاك أوزار … فلا تبال أصدّوا عنك أو زاروا
أخلاقهم حين تبلوهنّ أو عار … وفعلهم منكر للمرء أو عار
لهم لديك إذ جاءوك أوطار … إذا قضوها تنحوا عنك أو طاروا
وممن كان موالسا على السلطان فى الباطن وهو خاير بك نائب حلب، فإنه أول من كسر عسكر السلطان هو، وهرب عن ميسرة السلطان حتى انكسر فتوجّه إلى حماة، فلما ملك ابن عثمان حلب أرسل خلفه وأخلع عليه وصار من جملة أمرائه، ولبس زىّ التراكمة العمامة المدوّرة والدلامة، وقصّص ذقنه، وسماه ابن عثمان خاين بك، كون أنه خان سلطانه وأطاع ابن عثمان فسماه بذلك، فلما جرى ذلك تسحّبت مماليك خاير بك نائب حلب وتوجهوا صحبة العسكر إلى مصر، ودخل هو تحت طاعة ابن عثمان. وهذه الواقعة تقرب من واقعة ابن العلقمى وزير بغداد لما والس على الخليفة المستعصم بالله وملك هلاكو ملك التتار مدينة بغداد وقتل الخليفة المستعصم فصار ابن العلقمى من المقرّبين عند هلاكو، ثم أقلب عليه وقتله وصلبه وقال له: أنت
(١) الشنقشى: كذا فى الأصل، وفى مواضع أخرى «الشنقجى»، انظر هنا فيما سبق ص ٣٣ س ٢٠. (٢) ويكاتبونه: ويكاتبوه. (٣) يحطون … ويذكرون: يحطوا … ويذكروا.