ومات تحت صنجقه فى يوم الحرب، وانكسر على هذا الوجه أبدا، ولا سمع بمثل ذلك، ونهب ماله وبركه بيد عدوّه، غير قانصوه الغورى، وكان ذلك فى الكتاب مسطورا. وكان السلطان والأمراء ما منهم أحد ينظر فى مصالح المسلمين بعين العدل والإنصاف، فردّت عليه أعمالهم ونيّاتهم وسلّط (١) الله تعالى عليهم ابن عثمان حتى جرى لهم ما جرى، فكان كما قيل فى المعنى:
أين الملوك الذى (٢) فى الأرض قد ظلموا … والله منهم لقد أخلى أماكنهم
فاستغن بالسمع عن مرآهم عظة … فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم
ثم إن ابن عثمان تحوّل عن مرج دابق ودخل إلى حلب فملكها من غير مانع، فنزل بالميدان الذى بها فى مكان كان به السلطان، وهذا ما انتهى إلينا من ملخّص هذه الواقعة مع ما فيها من زيادة ومن نقصان، فهذا ما كان من أمر السلطان وابن عثمان. وأما ما كان من أمر الأمراء والعسكر بعد الكسرة فإنهم توجهوا إلى حلب وأرادوا الدخول بها، فوثب عليهم أهل حلب قاطبة وقتلوا جماعة من العسكر ونهبوا سلاحهم وخيولهم وبركهم وودائعهم التى كانت بحلب، وجرى عليهم من أهل حلب ما لا جرى عليهم من عسكر ابن عثمان، وكان أهل حلب بينهم وبين المماليك السلطانية حظّ نفس من حين توجهوا قبل ذلك صحبة قانى باى أمير آخور كبير، فنزلوا فى بيوت أهل حلب غصبا وفسقوا فى نسائهم وأولادهم وحصل منهم غاية الضرر لأهل حلب، فما صدّقوا أهل حلب بهذه الكسرة التى وقعت (٣) لهم فأخذوا بثأرهم منهم. فلما رأوا الأمراء وبقية العسكر ذلك خرجوا من حلب على حميّة وتوجهوا إلى دمشق، فدخلوها وهم فى أنحس حال لا برك ولا قماش ولا خيول، ودخل غالب العسكر إلى الشام بعضهم راكب على حمار، وبعضهم راكب على جمل، وبعضهم عربان وعليه عباءة أو بشت، ولم يقع لعسكر مصر كاينة قط أعظم من هذه الكاينة، فأقام الأمراء والمباشرون (٤) والعسكر فى الشام حتى يتكاملوا البقية ويظهر