ومن دمشق وحلب فوق الأربعين أميرا. وقتل فى ذلك اليوم القاضى ناظر الجيش عبد القادر القصروى، وجماعة كثيرة من الجند يأتى الكلام على ذلك فى موضعه، فكانت ساعة يشيب منها الوليد، ويذوب (١) لسطوتها الحديد، فصار فى مرج دابق جثث مرميّة وأبدان بلا رءوس ووجوه معفّرة فى التراب قد تغيّرت محاسنها، وصار فى ذلك المكان خيول مرميّة موتى بسروج مغرق وسيوف مسقطة بذهب وبركستوانات فولاذ وخوذ وزرديات وبقج قماش فلم يلتفت إليها أحد، وكل من العسكرين اشتغل بما هو أهمّ من ذلك، وقال بعض المواليا فى المعنى:
صفّق جوادى وقد جسّيت يوم الحرب … عودى فغنّت صوارم شرقها والغرب
طربت عادت تنقط فى سماع الحرب … روس الأعادى وترقص داخله فى الضرب
ثم إن ابن عثمان زحف بعسكره وأتى إلى وطاق السلطان ونزل فى خيامه، وجلس فى المدوّرة، واحتوى على الطشتخاناه (٢) وما فيها من القماش، وعلى الشراب خاناه وما فيها من الأوانى الفاخرة، وعلى الزردخاناه وما فيها من السلاح (٣)، وعلى خزائن المال والتحف، ونزل كل أمير من أمرائه فى وطاق أمير من أمراء السلطان واحتووا على ما فيها، [فاحتوى على وطاق خمسة عشر أميرا مقدم ألف، خارجا عن الأمراء الطبلخانات والعشرات والعسكر](٤)، وكذلك عسكره احتوى على خيام العسكر المصرى والشامى والحلبى وغير ذلك من العساكر، كما يقال: مصائب قوم عند قوم فوائد.
ولم يقع قط لملوك بنى عثمان أخت هذه النصرة على أحد من الملوك قاطبة، بل إن تيمور لنك زحف على بلاد بنى عثمان وحارب أحد أجدادهم، وهو شخص يقال له يلدرم، فلما حاربه انكسر فأسره تيمور ووضعه فى قفص حديد وصار يعجب عليه فى بلاد العجم، فما طاق ابن عثمان ذلك فابتلع له فصّ ماس فمات وهو فى ذلك القفص الحديد. ولم يقع قط لأحد من سلاطين مصر أنه وقع له مثل هذه الكاينة،
(١) يذوب: يذيب. (٢) الطشتخاناه: الطسخاناه. (٣) من السلاح: فى السلاح. (٤) فاحتوى … والعسكر: كتبها المؤلف فى الأصل على الهامش.