للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقتلوا جماعة من الخاصكية ومن غلمان السلطان ممن كان حوله.

وأما السلطان فمن حين مات لم يعلم له خبر، ولا وقف له أحد على أثر، ولا ظهرت جثّته بين القتلاء، فكأن الأرض قد انشقّت وابتلعته فى الحال، وفى ذلك عبرة لمن اعتبر، فداسوا العثمانية المصاحف التى (١) كانت حول السلطان بأرجل الخيول، وفقد المصحف العثمانى وأعلام الفقراء وصناجق الأمراء، ووقع النهب فى عسكر مصر، وزال ملك الأشرف الغورى على لمح البصر فكأنه لم يكن، فسبحان من (٢) لا يزول ملكه ولا يتغيّر، بعد ما تصرّف فى ملك مصر وأعمالها والبلاد الشاميّة والحلبيّة وأعمالها، فكانت مدّة سلطنته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوما، فإنه ولى ملك مصر فى مستهلّ شوال سنة ست وتسعمائة، وتوفى فى الخامس والعشرين من رجب سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، فكانت الناس معه فى هذه المدّة فى غاية الضنك، وقد قلت فى المعنى:

اعجبوا للأشرف الغورى الذى … مذ تزايد ظلمه فى القاهره

زال عنه ملكه فى ساعة … خسر الدنيا إذا والآخره

وقد أقامت هذه الوقعة من طلوع الشمس إلى بعد الظهر، وانتهى الحال على أمر قدّره الله تعالى، فقتل فى تلك الساعة من عسكر ابن عثمان ومن عسكر مصر ما لا يحصى عدده، فقتل من الأمراء المقدمين ثلاثة وهم: الأتابكى سودون العجمى وبيبرس قريب السلطان وأقباى الطويل، وأسر قانصوه بن سلطان جركس وقتل سيباى نائب الشام وتمراز نائب طرابلس وطراباى نائب صفد وأصلان نائب حمص، وغير ذلك جماعة كثيرة من أمراء دمشق وأمراء حلب وطرابلس، وقتل من أمراء مصر جماعة كثيرة من أمراء طبلخانات وعشرات وخاصكية، وأكثر من قتل من عسكر مصر المماليك القرانصة، ولم يقتل من المماليك الجلبان إلا القليل، فإنهم لم يقاتلوا فى هذه الوقعة شيئا (٣)، ولا ظهر لهم فروسية فكأنهم خشب مسندة، وقتل من عسكر ابن عثمان ما لا يحصى (٤) ضبطه. وقتل من أمراء مصر


(١) التى: الذى.
(٢) من: ما.
(٣) شيئا: شى.
(٤) ما لا يحصى: لا ما يحصى.