يا أغوات هذا (١) وقت المروّة (٢) قاتلوا وعلىّ رضاكم. فلم يسمع له أحد قولا وصاروا يتسحّبون من حوله شيئا بعد شئ، فالتفت للفقراء والمشايخ الذين (٣) حوله وقال لهم:
ادعوا إلى الله تعالى بالنصر فهذا وقت دعاكم، وصار ما يجد له من معين ولا ناصر، فانطلق فى قلبه جمرة نار لا تطفى، وكان ذلك اليوم شديد الحرّ، وانعقد بين العسكرين غبار حتى صار لا يرى بعضهم بعضا، وكان نهار غضب من الله تعالى قد انصبّ على عسكر مصر وغلّت أيديهم عن القتال، وقد قلت فى هذه الواقعة:
لما التقى الجيشان مع سلطاننا … فى مرج دابق قال: هل من مسعف
فله أجاب لسان حال قائلا … عرّضت نفسك للبلا فاستهدف
واشتدّ بالجلبان رعب قلوبهم … وغدوا يقولوا أىّ أرض نختفى
والنهب أطمعهم لذلّ نفوسهم … حتى أتاهم بالقضاء المتلف (٤)
فلما اضطربت الأحوال، وتزايدت الأهوال، فخاف الأمير تمر الزردكاش على الصنجق فأنزله وطواه وأخفاه، ثم تقدّم إلى السلطان وقال له: يا مولانا السلطان إن عسكر ابن عثمان قد أدركنا فانج (٥) بنفسك واهرب إلى حلب. فلما تحقّق السلطان ذلك نزل عليه فى الحال خلط فالج أبطل شقّته وأرخى حنكه، فطلب ماء فأتوه بماء فى طاسة ذهب، فشرب منه قليلا وألفت فرسه على أنه يهرب، فمشى خطوتين وانقلب من على الفرس إلى الأرض، فأقام نحو درجة وخرجت روحه ومات من شدّة قهره، [وقيل فقعت مرارته وطلع من حلقه دم أحمر. وقيل إنه لما رأى الكسرة عليه ابتلع فصّ (٦) ماس كان معه، فلما نزل جوفه غاب عن الوجود وسقط عن فرسه ومات من وقته، على ما قيل من هذه الإشاعة] (٧). فلما أشيع بموته زحف عسكر ابن عثمان على من كان حول السلطان، فقتلوا الأمير بيبرس أحد المقدّمين قريب السلطان، والأمير أقباى الطويل أمير آخور ثانى أحد المقدّمين،
(١) هذا: أذى. (٢) المروة - المروءة. (٣) الذين: الذى. (٤) المتلف: المتلفى. (٥) فانج: فانجوا. (٦) فص: فصا. (٧) وقيل … الإشاعة: كتبها المؤلف فى الأصل على الهامش.