للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما نزلت الأمراء التفت إلى العسكر وشرع يأخذ بخواطرهم وقال لهم: أنا مقصّر فى حقكم لا تؤاخذونى ونحن أولاد اليوم فكل من كان له عليق مكسور أو لحم مكسور أصرفه له، ثم نادى للعسكر فى الميدان بأن النفقة مع الجامكية لكل مملوك ثلاثون دينارا من كبير وصغير حتى أولاد الناس، والأمراء المقدمين لكل واحد منهم ألف دينار، والأمراء الطبلخانات لكل واحد مائتا دينار، والأمراء العشرات لكلّ واحد منهم مائة دينار، فلما سمع العسكر ذلك ضجوا له بالدعاء ونزلوا وهم فى غاية الجبر من السلطان، وكان سبب هذه النفقة أن السلطان لما حصل له هذا العارض فى عينه أشاعوا عنه أنه قد عمى فاتفق رأى الأمراء على خلعه من السلطنة، وذكر للسلطنة جماعة من الأمراء ثم ذكر الظاهر قانصوه الذى بالسجن بثغر الإسكندرية، وذكر للسلطنة سيباى نائب الشام، وذكر أيضا للسلطنة ابن السلطان وكان العسكر قاطبة مقلوبا على السلطان بسبب أن لهم عليقا مكسورا وكذلك اللحوم ولم ينفق عليهم شيئا لما نفق على مماليكه، وكانوا يشكون من خراب إقطاعاتهم من جور الكشاف ومشايخ العربان ووزن الحمايات فضجّوا من ذلك، فكان كما يقال فى أمثال الصادح والباغم وهو قوله:

ومن أضاع جنده فى السلم … لم يحفظوه فى لقاء الخصم

فالجند لا يرعون من أضاعهم … كلاّ ولا يحمون من أجاعهم

وأضعف الملوك طرا عقدا … من غرّه السلم فأقصى الجندا

فلما رأى السلطان أن العسكر قد تغلّب عليه فنادى لهم بالنفقة وشرع يستجلب خواطرهم مما تقدم منه قبل أن يتسع الخرق على الراقع. - وفى ذلك اليوم ظهر محمد بن نصر الله الذى كان ناظر دار الضرب واختفى من السلطان مدّة طويلة، فلما أظهر السلطان العدل فى هذه الأيام فأرسل يطلب منه الأمان فبعث إليه بمنديل الأمان حتى ظهر؛ ثم بعده ظهر القاضى شرف الدين الصغير