وأطلق من كان فى سجنه قاطبة دون من سجن فى أيام غيره، حتى الحرامية استتوبهم وأطلقهم، حتى أصحاب الجرائم والزغلية والعمال ممن عليه مال منكسر، فأطلق فى ذلك اليوم واحد وثمانين إنسانا، وأظهر العدل فى ذلك اليوم جدا حتى ارتفعت له الأصوات بالدعاء وكبّر من كان حاضرا فى الحوش السلطانى من الجمّ الغفير من الناس حتى سمعوهم من الجبل المقطم، وكان يوما مشهودا، فانطلقت النساء له بالزغاريت فى الحوش وضجت له الرعية بالأدعية السنية، ثم فى ذلك اليوم شاوروه على إعادة الدكك التى كانت على أبواب الحكام فلم يوافق على ذلك وقال: الذى له حق يتوجه بغريمه إلى الشرع والحرامية يتوجهون بهم إلى بيت الوالى. - وفى ذلك اليوم أشهر السلطان المناداة للعسكر بالعرض ولا يتأخر منهم لا كبير ولا صغير، فصار العسكر لا يدرون ما سبب هذا العرض، وكان الطعن قد أخذ فى التناقض عنما كان.
وفى جمادى الأولى طلع الخليفة والقضاة الأربعة للتهنئة بالشهر، وجلس السلطان فى المقعد الذى بالميدان، وطلع إليه العسكر والأمراء قاطبة من كبير وصغير، فلما قام الخليفة والقضاة وانصرفوا رسم السلطان بإحضار المصحف العثمانى فتوجه لإحضاره ألماس دوادار سكين، فلما أحضروه بين يدى السلطان تقدم القاضى كاتب السرّ محمود بن أجا وحلّف عليه الأمراء المقدمين قاطبة ثم الأمراء الطبلخانات ثم جماعة من الأمراء العشرات، فحلفوا على المصحف العثمانى بأنهم لا يخامروا على السلطان ولا يركبوا عليه ولا يثيروا فتنة بين المماليك وبين السلطان، فلما حلفوا حلف لهم السلطان أيضا على العثمانى بأنه لا يغدرهم ولا يخونهم ولا يمسك أحدا منهم لا كبير ولا صغير، ثم أحضروا الأمير أركماس أمير مجلس فحضر وهو بتخفيفة صغيرة، وقد تقدّم القول على أن السلطان تغيّر خاطره عليه وقال له: الزم بيتك أو توجه إلى دمياط، فلما طلع رضى عليه السلطان وألبسه كاملية مخمل أحمر بصمور من ملابيسه وأقرّه فى أمرة مجلس على عادته،