بالمقارع فشفع فيه بعض الأمراء، وكان الوالى فى مدّة توعّك السلطان يطوف فى القاهرة من بعد العشاء ومعه جماعة من الخاصكيّة نحو من مائتى إنسان، وكان غالبهم لابس زرديات وفى أيديهم رماح، فيطوف فى كل ليلة المدينة والحارات والأزقّة ويقبض على من يجده يمشى من بعد العشاء. - ومن الحوادث أن جماعة من الصنّاع دخلوا إلى الزردخاناه ليصحنوا البارود، فصعد منه الدخان فاحترق سقف الزردخاناه وعملت فيه النار، فاضطربت القلعة لذلك، وكان السلطان فى شباك الأشرفية فقام واختفى من عظم الدخان، فاحترق من الصنّاع ثلاثة أنفار حتى ذاب لحمهم عن عظمهم من النار فنزلوا بهم إلى بيوتهم فقاموا ثلاثة أيام وماتوا الثلاثة قاطبة، فتفاءلوا الناس بأن حرق الزردخاناه فأل على السلطان. - ولما تزايد بالسلطان ذلك العارض فى عينه طلع الخليفة وسلّم عليه، فأشيع بين الناس بأن السلطان أرسل خلف الخليفة ليخلع نفسه من الملك ويولّى ولده ولم يكن لهذا الكلام صحّة، فاضطربت الأحوال لذلك، فسلّم الخليفة على السلطان ونزل إلى بيته، فلما نزل خمدت تلك الإشاعات الفاسدة. - وفى يوم الثلاثاء رابع عشرينه جلس السلطان فى القبّة الأشرفية وحضر عنده الأتابكى سودون العجمى وعلّم على المراسيم وحكم وهو جالس فى الشباك، وأظهر أنه قد شفى من ذلك العارض وإلاّ لم حاذر على عينه الأخرى الذى كان ينظر بها، وفى هذه الواقعة يقول محمد بن قانصوه من صادق:
شفاك الله يا ملك البرايا … من الداء الموكل بالعيون
وأذهب عنهما باللطف منه … سقاما محدثا رخو الجفون
لتبقى فى هناء بها قريرا … قريبا والتحرّك فى سكون
بمن لقتادة قد رد عينا … وقال كأختكى فى الحسن كونى
ومن رمد بتفلّته عليّا … شفى فى الحال من ألم مبين
ثم إن جماعة من الكحالين قالوا للسلطان: ما تصحّ عينك حتى تقطع ما طال