إضلال، فلو قدر أن المتكلم أراد من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته من غير قرينة ولا دليل ولا بيان لصادم هذا الفعل مقصود الإرشاد والهداية وأن ترك المخاطب والحالة هذه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى … ومن أسباب إخراج النصوص عن ظواهرها عند البعض دعوى معارضتها للمعقول كالشأن في كثير من العقائد الإسلامية، إذ أن من طالع كتب المؤولة وجد عندهم توسعا عجيبا في هذا الباب، وكلما خاضوا بالتأويل في باب جرهم ذلك إلى استسهال التأويل في باب آخر وهكذا حتى آل الأمر بالباطنية مثلا إلى تأويل جملة الشريعة حتى ما يتعلق منها بالأحكام الشرعية كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعل ذلك كله من قبيل الباطن المخالف للظاهر، … والذي يعنينا هنا أن نؤكد على أن هذه النصوص الشرعية يجب حملها على ظواهرها ولا يصح تأويلها لمجرد تنزيلها على واقع حالي أو لتوهم معارضتها للمعقول، وأن تأويلها والحالة هذه مخرج لها عن قصد الشارع وبالتالي فتنزيلها بعد التأويل تنزيل لها على واقع غير مراد ولا مقصود للشارع (١).
أمَّا أهلُ البدع والتأويل فردوا النصوص بعقولهم الفاسدة: فقد وصفهُم الإمام أحمد ﵀ بقوله: (مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جُهَّالَ الناسِ بما يُشبِّهُون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلِّين). (٢)
ونقل الشاطبيُّ آثاراً تؤكدُ أنَّه لا يعارَضُ النقلُ بالعقلِ ثم قال:(فالحاصلُ من مجموع ما تقدَّم أن الصحابة ومَن بعدهم لم يعارِضوا ما جاء في السنن بآرائهم، علموا معناها أو جهلوه)(٣).
رابعاً:"أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيله، وإنما عقله مجملاً إلى غير ذلك من الوجوه، على أن الأساطين من هؤلاء والفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية، وإذا كان هكذا، فالواجب تلقّي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه. "
بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الكلام على مسألة التعارض المتوهم في كتابه
(١) المصدر: منارات وعلامات في تنزيل أحاديث الفتن على الوقائع والحوادث لعبد الله بن صالح العجيري ص ٨ (٢) الرد على الجهمية (ص ٥٢). (٣) الاعتصام (٢/ ٣٣٦).