للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

تلك المسائل التي عجز العقل عن إدراكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.

ثانياً: "أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل".

من قول أهل السنة الإيمان بالنصوص على ظاهرها ورد التأويل الفاسد، يقصد بظاهر النصوص مدلولها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النص عند متأخري الأصوليين، والظاهر عندهم على حد تعريفهم: ما احتمل معنى راجحاً وآخر مرجوحاً، والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، (فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين) (١).

فالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم، ونفيه يكون تكذيباً للمتكلم، أو اتهاماً له بالعي وعدم القدرة على البيان عما في نفسه، أو اتهاماً له بالغبن والتدليس وعدم النصح للمكلف، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله الأمين .

ومراد المتكلم يعلم:

أ - إما باستعماله اللفظ الذي يدل بوضعه على المعنى المراد مع تخلية السياق عن أية قرينة تصرفه عن دلالته الظاهرة.

ب - أو بأن يصرح بإرادة المعنى المطلوب بيانه.

ت - أو أن يحتف بكلامه من القرائن التي تدل على مراده.

وعلى هذا فصرف الكلام عن ظاهره المتبادر -من غير دليل يوجبه أو يبين مراد المتكلم-تحكم غير مقبول سببه الجهل أو الهوى، وهذا وإن سماه المتأخرون تأويلاً إلا أنه أقرب إلى التحريف منه إلى التأويل (٢).

إذ لم يعرف القول بالتفويض بهذا المعنى في القرون الثلاثة الأولى، بل ظهر في القرن الرابع، كما قال ابن تيمية وقال: وأول من قال به أبو منصور الماتريدي -المتوفي ٣٣٣ هـ- وأبو الحسن الأشعري -المتوفي ٣٢٤ في محاولة للتوسط بين منهج السلف في إثبات النصوص وبين المنهج العقلي المستمد من الفلسفة


(١) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ى ١٧٥).
(٢) التأويل: هو نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج على دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. «لسان العرب» لابن منظور (١/ ٢٦٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>