وتترِّس دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فيما قاله ابن إسحاق- أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو ينحني عليه حتى كثر فيه النبل وهو لا يتحرك.
ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم. قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل ويقول: "ارم فداك أبي وأمي،
يمينًا، ولا شمالًا إلّا وأراها تقاتل دوني"، "وتترَّس دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم" أي: جعل نفسه كالترس المانع من وصول سهام العدو إليه، "فيما قاله ابن إسحاق، أبو دجانة بنفسه, يقع النبل في ظهره، وهو ينحني عليه حتى كثر فيه النبل، وهو لا يتحرك، ورمى سعد بن أبي وقاص" مالك الزهري، أحد العشرة، "دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم" بألف سهم، كما رواه الحاكم، وبعضها من سهام المصطفى حين فرغت سهام سعد. "قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل، ويقول: "ارم فداك أبي وأمي" بكسر الفاء وتفتح، أي: لو كان لي إلى الفداء سبيل، لفديتك بأبوي اللذين هما عزيزان عندي، والمراد من التفدية لازمها، أي: ارم مرضيًا، قاله المصنف. وقال النووي: والمراد بالتفدية الإجلال والتعظيم؛ لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظّمه، وكأنَّ مراده بذلت نفسي، أو مَنْ يعزّ علي في مرضاتك وطاعتك. انتهى. وروى البخاري عن سعد: نثل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كنانته يوم أحد, فقال: "ارم فداك أبي وأمي". وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي وابن ماجه عن علي: "ما سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع أبويه لأحد إلّا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: "يا سعد، ارم فداك أبي وأمي". وفي رواية أخرى عن علي: ما جمع -صلى الله عليه وسلم- أبويه إلّا لسعد. قال السهيلي: والرواية الأولى أصح، والله أعلم؛ لأنه أخبر فيها أنه لم يسمع. وقد قال الزبير ن العوام أنه جمع له أبويه، وقال له كما قال لسعد، رواه الزبير بن بكار. انتهى. أي: في هذا اليوم كما هو صريحه، وبه صرَّح في رواية أخرى. وروى الشيخان عن الزبير قال: جمع لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبويه يوم بني قريظة. قال البرهان: ويحتمل أن عليًّا أراد تفدية خاصَّة؛ لأن الحاكم روى أن سعدًا رمى يوم أحد بألف سهم، وفي شرف المصطفى ما منها سهم إلّا والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول له: "ارم فداك أبي وأمي"، فلم يفد أحدًا ألف مرة على هذا إلّا سعد بن أبي وقاص، انتهى. قال القاضي عياض: ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك, سواء كان المفدى به مسلمًا أو كافرًا. قال النووي: وجاء من الأحاديث الصحيحة ما لا يحصى.