للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ثم قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ضُرِبَ وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- يومئذ بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها. قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها, أو المبالغة في الكثرة. انتهى.

وقاتلت أم عمارة نسيبة


حكمته أنَّ نزوله يحقق مرادهم من آذاه، ويدوم فيما أصابه من الأرض، وهي محلّ الامتهان, بخلاف إزالته بالمسح، فلم يبق له أثرظاهر، فكأنه لم ينزل، فلا امتهان، وهذا من كمال شفقته وحلمه وعظيم عفوه وكرمه، "ثم" لم يكتف بإزالة ما ينزل العذاب عليهم حتى "قال: " اللهم اغفر لقومي" , فأظهر سبب الشفقة بإضافتهم إليه، فإن الطبع البشري يقتضي الحنوَّ على القرابة بأي حال، وليبلغهم ذلك فتنشرح صدورهم للإيمان، ثم اعتذر عنهم، فقال: "فإنهم لا يعلمون" , فاعتذر عنهم بالجهل الحكمي، لعدم جريهم على مقتضى علمهم، وإن لم يكن بعد مشاهدة الآيات البينات عذرًا تضرعًا إلى الله أن يمهلهم حتى يكون منهم، أو من ذريتهم مؤمن، وقد حقق الله رجاءه, ولم يقل: يجهلون تحشينًا للعبارة، ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإيمان، ويدخلهم بعظيم حلمه حرم الأمان، ثم استشكل هذا بنحو قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} ، وإن كان سببها خاصًّا فهي عامَّة في حق كل مشرك، وأجيب كما قال السهيلي في الروض: بأنَّ مراده الدعاء لهم بالتوبة من الشرك حتى يغفر لهم، بدليل رواية من روى: "اللهم اهد قومي"، وهي رواية عن ابن إسحاق، ذكرها بعض سيرته عنه بهذا اللفظ، وبأنه أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من نحو خسف ومسخ، انتهى.
وفي الينابيع: كان -صلى الله عليه وسلم- يأخذ قطرات الدم، ويرمي بها إلى السماء، ويقول: "لو وقع منها شيء على الأرض لم ينبت عليها نبات".
"وروى عبد الرزاق" بن همام الحافظ الصنعاني، "عن معمر" بن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمني، الحافظ المتقن، الفقيه الورع، المتوفَّى في رمضان سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة، "عن الزهري قال: ضُرِبَ وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- يومئذ"، أي: يوم أحد، "بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها" فلم يحصل مرادهم بالضرب، ولله المنة.
"قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي" إسناده؛ لأنَّ رجاله من رواة الصحيح، "ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها" على أصل مدلول اللفظ، "أو المبالغة في الكثرة" على عادة العرب في ذلك، "وقاتلت أم عمارة" بضم العين وتخفيف الميم، "نسيبة" بفتح النون، وكسر السين المهملة فمهملة مفتوحة، فهاء كما ضبطها في الإكمال، والتبصير، والإصابة، والنور وغيرهم،

<<  <  ج: ص:  >  >>