وعند الحارث بن أبي أسامة وأحمد بن منيع: فإنهم يبعثون في أكفانهم ويتزاورون في أكفانهم.
ويجمع بينه وبين ما في البخاري بأنَّ بعضهم يحشر عاريًا وبعضهم كاسيًا، أو يحشرون كلهم عراة ثم يكسى الأنبياء، وأوّل من يكسى إبراهيم -عليه السلام، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها, ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة, ثم يكون أوّل من يكسى إبراهيم.
وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء، فيكون أبو سعيد سمعه في الشهداء, فحمله على العموم.
"وعند الحارث بن أبي أسامة وأحمد بن منيع" بفتح الميم وكسر النون- ابن عبد الرحمن البغوي, نزيل بغداد, حافظة ثقة, يروي عنه مسلم والأربعة وغيرهم، مات سنة أربع وأربعين ومائتين, وله أربع وثمانون سنة، وكذا عند الخطيب, الثلاثة عن جابر رفعه: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه" , "فإنهم يبعثون" من قبورهم "في أكفانهم" التي يكفنون فيها, "ويتزاورون" يزور بعضهم بعضًا في القبور "في أكفانهم" إكرامًا للمؤمنين, بتأنيس بعضهم ببعض, كما كان حالهم في الدنيا, وإن كانت الأحياء لا تشاهد ذلك، فأحوال البرزخ لا يقاس عليها، وحديث جابر هذا إسناده صالح, كما نقله الحافظ في اللسان عن العقيلي.
ورواه هو والخطيب وسموية من حديث أنس مثله, ويجمع كما قال البيهقي وغيره "بينه" أي: ما ذكر من هذه الأحاديث المصرّحة بأنهم يحشرون كاسين, "وبين ما في البخاري" ومسلم: "إنكم تحشرون حفاة عراة" , "بأن بعضهم يحشر عاريًا وبعضهم كاسيًا" بثيابه, "أو يحشرون كلهم عراة ثم تكسى الأنبياء, وأول من يكسى إبراهيم -عليه السلام"؛ لأنه جُرِّدَ لما ألقي في النار، أو لأنَّه أول من لبس السراويل، أو لشدة خوفه من الله, فعجلت له الكسوة أمانًا له ليطمئن قلبه.
واختاره الحليمي, وروى ابن مندة مرفوعًا: "أوَّل من يكسى إبراهيم، فيقول الله: اكسوا خليلي ليعلم الناس فضله عليهم" , "أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر" تتساقط عنهم عند ابتداء الحشر, فيحشرون عراة، ثم يكون أوّل من يكسى إبراهيم -عليه السلام, وحمل بعضهم حديث أبي سعيد، أنَّ الميت يبعث في ثيابه التي مات فيها "على الشهداء، فيكون أبو سعيد سمعه في الشهداء" الذين أمر أن يدفنوا بثيابهم التي قتلوا فيها وبها الدم, "فحمله" أبو سعيد "على العموم" في الشهداء وغيرهم، وهذا نقله القرطبي وفيه بعد.