وعن علي: كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة -وفي رواية: إذا افتتح الصلاة- كبر، ثم قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من
قال الخطابي: ذكرهما تأكيدا، ولأنهما ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، وقال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية المحو، فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء، قال: ويحتمل أن المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، وكأنه كقوله تعالى: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا} [البقرة: ٢٨٦] ، وأشار الطيبي إلى هذا بحثا، فقال: يمكن أن المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم: برد الله مضجعه، أي رحمه ووقاه عذاب النار. انتهى. ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أوفى عند مسلم، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم لكونها مسببة عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه. وقال التوربشتي: خص هذه الثلاثة بالذكر، لأنها منزلة من السماء، وقال الكرماني: يحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي. انتهى. وكان تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل، وهذا الدعاء صدر منه صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة في إظهار العبودية، وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته، واعترض بأنه لو أراد ذلك بالجهر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار، وفيه ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تتبع أحواله صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه حتى حفظ الله بهم الدين، وفيه مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة خلافا للمشهور عن مالك انتهى من فتح الباري. "رواه البخاري ومسلم" من حديث أبي هريرة "وعن علي: كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة" المكتوبة "وفي رواية" لمسلم أيضا عن علي: كان "إذا افتتح الصلاة كبر" تكبيرة الإحرام، "ثم قال" قبل الشروع في الفاتحة، وللترمذي: وقال حسن صحيح عن علي: كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة المكتوبة رفع يديه، ويقول حين يفتتح الصلاة بعد التكبير: "وجهت وجهي" أي: صرفت جملتي وأخلصت نيتي في العبادة "للذي فطر السموات والأرض حنيفا" حال كوني مائلا عن جميع الأديان غير الإسلام بريئا عن كل المعبودات.