للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك. وفي رواية: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد".


منه الاحتجاج بالاحتمال مع أنه لا يحتج به عند أحد، "وكان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة" أي: شرع فيها "رفع يديه حتى يكونا" بتحتية، ولأبي ذر بفوقية "حذو" بحاء مهملة وذال معجمة ساكنة، أي مقابل، "منكبيه" تثنية منكب، وهو مجمع عظم العضد والكتف، وبهذا قال الجمهور ومالك والشافعي، وذهب الحنفية إلى حديث مالك بن حويرث أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، رواه مسلم، وفي لفظ له: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه، ورجح الأول بأنه أصح إسنادا، واتفق عليه الشيخان، "ثم يكبر" للإحرام، وهذا لفظ مسلم، وبه قال الحنفية، وقال غيرهم: ثم للترتيب في الذكر لرواية البخاري يرفع يديه حين يكبر، وهو حديث واحد، وقد رواه الشيخان: كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، فالرفع مقارن للتكبير، وانتهاؤه مع انتهائه، كما هو قضية المقارنة، وهذا هو الأصح عند المالكية والشافعية وبه صرح أيضا في رواية أبي داود عن وائل بن حجر أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه مع التكبير، وقال صاحب الهداية من الحنفية: الأصح يرفع ثم يكبر، لأن الرفع صفة نفي الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثبات ذلك له، والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشهادة.
قال الحافظ: وهو مبني على أن ذلك حكمة الرفع، وقيل: حكمة اقترانهما أن يراه الأصم ويسمعه الأعمى وقيل: الإشارة إلى طرح الدنيا والإقبال بكليته على العبادة، وقيل: إلى الاستسلام والانقياد ليناسب فعله قوله: الله أكبر، وقيل: إلى استعظام ما دخل عليه، وقيل: إلى تمام القيام، وقيل: إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود، وقيل: ليستقبل بجميع بدنه.
قال القرطبي: هذا أشبهها، "فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك" أي: رفع يديه حذو منكبيه مع التكبير "وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك".
"وفي رواية: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما" أي: يديه، "كذلك أيضا" حذو منكبيه "وقال": "سمع الله لمن حمده" معنى سمع هنا أجاب، والمعنى أن من حمده متعرضا لثوابه أجابه وأعطاه ما تعرض له "ربنا ولك الحمد" الرواية بثبوت الواو أرجح، وهي زائدة وعاطفة على محذوف، أي: حمدناك، أو هي واو الحال، ورجحه ابن الأثير، وفيه أن الإمام يجمع بينهما، لأن غالب أحواله صلى الله عليه وسلم الإمامة وبه قال الشافعي وجماعة أن المصلي مطلقا يجمع بينهما.

<<  <  ج: ص:  >  >>