للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تصريح باللفظ، والحكم كما ثبت بالنص يثبت بالقياس.

لكن تعقب هذا بأنه عليه السلام قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليما للصحابة ما يهلون به ويقصدونه من النسك، وامتثالا للأمر الذي جاءه من ربه تعالى في ذلك الوادي، ولقد صلى عليه السلام أكثر من ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال: نويت أصلي صلاة كذا وكذا، وتركه سنة، كما أن فعله سنة، فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه، فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله، والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما على الآخر. انتهى ما قاله هذا المتعقب فليتأمل.


فراغ حجه، وهذا أبعد مما قبله، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، نعم يحتمل أنه أمر أن يقول ذلك لأصحابه ليعلمهم مشروعية القرآن، وهو كقوله: دخلت العمرة في الحج، قاله الطبري واعترضه ابن المنير، بأنه ليس نظيره، لأنه تأسيس قاعدة، وقوله: عمرة في حجة بالتنكير يستدعي الوحدة، وهو إشارة إلى الفعل الواقع من القرآن إذ ذاك، ويؤيده رواية البخاري في الاعتصام، بلفظ: عمرة وحجة بواو العطف، قاله كله الحافظ، وعلى رواية رفع عمرة، فهي خبر مبتدأ محذوف، أي قل هذه عمرة في حجة كما في شرح المصنف، "وهذا تصريح باللفظ، والحكم كما يثبت بالنص يثبت بالقياس" إذ هو من الأدلة.
"ولكن تعقب هذا بأنه عليه السلام قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليما للصحابة ما يهلون به ويقصدونه من النسك" لأن الأصح أنه كان مفردا "وامتثالا للأمر الذي جاءه من ربه تعالى في ذلك الوادي، ولقد صلى عليه السلام أكثر من ثلاثين ألف صلاة، فلم ينقل عنه أنه قال: "نويت أصلي صلاة كذا وكذا" أي: الصبح أو الظهر مثلا، "وتركه سنة" في حقنا، يعني: أن ما تركه يسن لنا تركه إن لم يقم دليل آخر على طلبه منا، "كما أن فعله سنة" يسن لنا اتباعه فيه إلا لدليل على أنه من خصائصه، "فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه، نأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتي به في الموضع الذي فعله" لأنه خلاف السنة، "والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما على الآخر" لاختلاف أحكامهما، فلا يصح القياس.
"انتهى ما قاله هذا المتعقب فليتأمل" فإن في منعه القياس نظرا، فالجامع بينهما أن كلا عبادة، وعدم نقل ذلك عنه لا ينهض لاحتمال أنه كان يسير بالنية، إذ لا يطلب الجهر بها، هذا وجه أمره بالتأمل، وفيه أن كل عبادة أشار هو إلى منعه بالفرق، بينهما واحتمال إسراره يلزم

<<  <  ج: ص:  >  >>