وعند أبي داود: "ولا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره".
وأعتم صلى الله عليه وسلم بالعشاء ليلة، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان،
صلوها ليكون القلب فارغا لمناجاة الرب، "ولا تعجلوا". قال الحافظ: بضم الفوقية وفتحها والجيم مفتوحة فيهما، ويروى بضم أوله وكسر الجيم "عن عشائكم" لئلا يشتغل قلبكم به، "رواه البخاري ومسلم" من حديث أنس. "وعند أبي داود" عن جابر، مرفوعا: "لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره". ولا معارضة بينهما إذ هو محمول على من لم يشتغل قلبه بالطعام جمعا بين الأحاديث، وروته عائشة بلفظ: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء". وفي رواية عنها بلفظ: "إذا حضر"، وابن عمر بلفظ: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه". وكلها في الصحيحين، لكن الذي رووه في حديث عائشة، بلفظ: "وضع" أكبر كما قاله الإسماعيلي. قال الحافظ: والفرق بينهما أن الحضور أعم من الوضع، فيحمل قوله حضر، أي بين يديه لتأتلف الروايتان لاتحاد المخرج، ويؤيده حديث أنس رضي الله عنه، بلفظ: إذا قدم، ولمسلم: إذا قرب، وعلى هذا فلا يماط الحكم بما إذا حضر العشاء، لكن لم يقرب، كما لو لم يعرف، وظن قوم أن هذا من تقديم حق العبد على حق الله. قال ابن الجوزي: وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الله ليدخل الخلق عبادته بقلوب مقبلة، ثم إن طعام القوم كان قليلا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبا، هذا وما يقع في بعض كتب الفقه: "إذا حضر العشاء والعشاء فابدءوا بالعشاء" فلا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ، كما في شرح الترمذي لشيخنا أبي الفضل، لكن رأيت بخط الحافظ قطب الدين، يعني: الحلبي أخرج ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، مرفوعا: "إذا حضر العشاء وحضرت العشاء فابدءوا بالعشاء". قال: كان ضبطه فذاك، وإلا فقد رواه أحمد في مسنده عن إسماعيل، بلفظ: "وحضرت الصلاة" ثم راجعت مصنف ابن أبي شيبة، فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد. انتهى. "وأعتم"، "بفتح الهمزة والفوقية وإسكان المهملة بينهما"، "صلى الله عليه وسلم بالعشاء" أي: أخر صلاتها "ليلة" من الليالي، وكانت عادته تقديمها "حتى ناداه عمر" بن الخطاب "الصلاة" بالنصب على الإغراء، قاله المصنف، وقال الحافظ: بالنصب بفعل مضمر تقديره مثلا صل الصلاة، وساغ هذا الحذف لدلالة السياق عليه "نام النساء والصبيان" أي: الحاضرون في المسجد، وإنما خصهم بذلك لأنهم مظنة قلة الصبر عن النوم، ومحل الشفقة والرحمة بخلاف الرجال.