للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد تبين أن التداوي لا ينافي التوكل، بل لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة.

وحكى ابن القيم: أنه ورد في خبر إسرائيل، أن الخليل عليه الصلاة والسلام قال: يا رب ممن الداء؟ قال: مني، قال: ممن الدواء؟ قال: مني قال: فما بال الطبيب؟ قال: رجل أرسل الدواء على يديه.

قال: وفي قوله صلى الله علي وسلم: "لكل داء دواء" تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على ذلك الدواء، والتنفيس عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء، وبرد من حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، وقويت نفسه وانبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببًا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية


"وقد تبين، أن التداوي لا ينافي التوكل، بل" هو من جملته، إذ "لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة" أي تعاطي "الأسباب التي نصبها الله تعالى، مقتضيات" "بكسر الضاد" "لمسبباتها قدرًا وشرعًا" وذلك أنه إذا باشرها وترتبت عليها مسبباتها، علم أن ذلك لحكمة منه تعالى، حيث خلق الشفاء عند مباشرتها، فكمل بذلك اعتقاده أن الله هو المنفرد بالإيحاد، وأن لا فعل لغيره، "وأن تعطيلها" أي الأسباب بعدم العمل بها واعتقاد أن لا يحصل أثر عند مباشرتها، "يقدح في نفس التوكل" إذ لو صدق في التوكل لعمل ما أمر به من السبب معتمدًا على الله، "كما يقدح في الأمر" بها، "والحكمة" في خلق الشفاء عندها.
"وحكى ابن القيم: أنه ورد في خبر إسرائيلي أن الخليل" إبراهيم "عليه الصلاة والسلام قال: يا رب ممن الداء" المرض "قال: مني، قال ممن الدواء، قال: مني، قال" فإذا كان منك، "فما بال الطبيب" أي حاله وما يحصل منه حتى يعالج المريض ليصح، أو يحفظ صحته، أو نحو ذلك مما يحصل بفعله وحاصله: فأي حاجة للطبيب؛ "قال: رجل أرسل الدواء على يديه" ليس هو الفاعل بنفسه، وإنما فعله بإجرائي ما هو سبب لإزالة المرض ونحوه.
"قال" ابن القيم: وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "لكل داء دواء" تقوية لنفس المريض والطبيب" المعالج، "وحث على ذلك الدواء والتنفيس عليه" أي كشف الكربة عنه، "فإن المريض إذا استشعرت نفسه؛ أن لدائه دواء يزيله، تعلق قلبه بروح الرجاء" أي بالأثر المصلح لبدنه الذي يترتب على الدواء الذي يستعمله لما رجاه من حصول النفع به، سمي ذلك الأثر روحًا، تشبيهًا بروح الحياة، "وبرد" "بضم الراء وفتحها" "من حرارة اليأس" أي سكنت حرارته "وانفتح له باب الرجاء، وقويت نفسه وانبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببًا لقوة الأرواح الحيوانية

<<  <  ج: ص:  >  >>