قوله:"لا يسترقون" معناه الرقى المخالفة للشريعة، و "لا يكتوون" وقلوبهم معلقة بنفع الكي ومعرضه عن الله تعالى وعن أن الشفاء من عنده. وأما إذا فعل ذلك على ما جاء في الشريعة، وكان ناظرًا إلى رب الدواء، يتوقع الشفاء منه، وقصد بذلك استعمال بدنه إذا صح لله تعالى، وإتعاب نفسه وكدها في خدمة ربه، فتوكله باق على حاله لا ينقص منه الدواء شيئًا، استدلالًا بفعل سيد المتوكلين إذ عمل بذلك في نفسه وفي غيره، انتهى.
تخرج عن التوكل، بل هو باق على حاله لا ينقص منه شيء، وقد قال صلى الله عليه وسلم للذي رقى بالفاتحة، وأخذ أجرًا من أخذ برقية باطل، فقد أخذت برقية حق، وقال: اعرضوا علي رقاكم فعرضوها، فقال: لا بأس بها إنما هي مواثيق، كأنه خاف أن يقع فيها شيء مما كانوا يتلفظون به ويعتقدون من الشرك في الجاهلية، "أو اكتوى وهو يعلق رغبته في الشفاء بوجود الكي" باعتماده عليه ذاهلًا عن التوكل على الله الذي يخلق عنده الشفاء، "وكذلك قوله: "لا يسترقون" معناه الرقى المخالفة للشريعة، "ولا يكتوون" وقلوبهم معلقة بنفع الكي، ومعرضة عن الله تعالى، وعن أن الشفاء من عنده" فهذا هو البريء من التوكل؛ "وأما إذا فعل ذلك على ما جاء في الشريعة، وكان ناظرًا إلى رب الدواء، ويتوقع الشفاء منه" وإن استعماله إنما هو امتثالًا لربط الأسباب بمسبباتها، "وقصد بذلك استعمال بدنه إذا صح" من دائه "لله تعالى، وإتعاب نفسه وكدها في خدمة ربه، فتوكله باق على حاله، لا ينقص منه الدواء شيئًا" منه "ستدلالًا بفعل سيد المتوكلين، إذ" تعليلية "عمل بذلك في نفسه و" في "غيره. انتهى" كلام التمهيد، وهو نفيس؛ ونحوه قول البيهقي في الشعب: برئ من التوكل؛ لأنه ركب ما يستحب التنزه عنه من الاكتواء، لما فيه من الخطر ومن الاسترقاء، بما لا يعرف من كتاب الله تعالى، وذكره لجواز أن يكون شركًا، فقد روينا الرخصة فيه بما يعلم من كتاب الله تعالى، أو ذكره من غير كراهة، وإنما الكراهة فيما لا يعلم من لسان اليهود وغيرهم، أو استعملها معتمدًا عليها، لا على الله تعالى فيما وضع فيها من الشفاء، فصار بهذا أو بارتكابه المكروه، بريئًا من التوكل، فإن لم يوجد واحد من هذين وغيرهما من الأسباب المباحة، لم يكن صاحبها بريئًا من التوكل، انتهى. وقال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي برئ من التوكل؛ لأنه يريد دفع القدر، وهو لا يدفع، والثاني: كي الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي شرع التداوي فيه؛ فإن كان لأمر محتمل، فخلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار، لأمر غير محقق.